تؤكد الدكتورة نوريا ديانوفا، أخصائية أمراض الجهاز الهضمي والتغذية، أن طعامنا يمكن أن يكون درعنا الواقي ضد ضغوط الحياة اليومية، مؤكدةً أن ما نأكله له تأثير مباشر على صحة دماغنا، وهرمونات التوتر، وقدرة أجسادنا على مقاومة الأمراض، بل وحتى على تعافي جهازنا العصبي.
وتشير الدكتورة ديانوفا إلى العلاقة الوثيقة بين الأمعاء والدماغ، موضحةً أن الجهاز الهضمي ينتج حوالي 90% من السيروتونين، ذلك الناقل العصبي السحري الذي يمنحنا شعوراً بالسكينة ويحسن مزاجنا. وبينما تمنحنا الكربوهيدرات سريعة الامتصاص دفعة أولية من الطاقة وتعزز مستويات الدوبامين، إلا أن هذا الارتفاع سرعان ما يتبعه هبوط حاد في سكر الدم، مما قد يدفعنا للشعور بالقلق والتهيج والإرهاق بعد حوالي ساعة فقط.
تحذر الخبيرة من أن الأنظمة الغذائية القاسية أو عدم انتظام الوجبات يحرم الدماغ من إمدادات ثابتة من الجلوكوز، فيعتبر ذلك تهديداً ويدفع الجسم لتفعيل استجابة الجوع، مما يزيد من مستويات القلق. كما أن الأطعمة غير الصحية مثل الوجبات السريعة، والدهون المتحولة، واللحوم المصنعة، تساهم في تفاقم الالتهابات المزمنة في الجسم، وكلما زادت هذه الالتهابات، ارتفع خطر الإصابة بالاكتئاب واضطرابات القلق.
وتكشف الدكتورة ديانوفا عن دور ميكروبيوم الأمعاء في تنظيم حالتنا المزاجية عبر إنتاج السيروتونين، وحمض غاما-أمينوبيوتيريك (GABA)، والدوبامين. وعندما يختل توازن هذا الميكروبيوم، تنخفض مستويات هذه المواد الحيوية، مما يجعلنا أكثر عرضة للقلق. علاوة على ذلك، فإن الغشاء المخاطي للأمعاء، الذي يحتوي على نسبة كبيرة من خلايا المناعة، يلعب دوراً محورياً؛ فعند اختلال توازنه، قد تحدث "متلازمة الأمعاء المتسربة"، حيث تصبح جدران الأمعاء أكثر نفاذية، مما يمنح بعض المواد فرصة للدخول إلى مجرى الدم. هذا الوضع يستنزف موارد الجسم، وقد يؤدي إلى الإرهاق، ومتلازمة التعب المزمن، وزيادة الحساسية للتوتر النفسي.
وتؤكد الخبيرة أن السكر المضاف هو العدو الأول للبكتيريا المعوية النافعة، فهو يعيق نموها ويضعف وظائف الجهاز المناعي. في المقابل، هناك عناصر غذائية ثمينة تساعد أجسامنا على التكيف مع التوتر، مثل المغنيسيوم، وفيتامينات B (B6، B9، B12)، وأحماض أوميغا-3 الدهنية، والتريبتوفان، والزنك، والثيانين، بالإضافة إلى البريبايوتكس والبروبيوتكس. وتشمل قائمة الأطعمة المقترحة لمواجهة التوتر: الأسماك الدهنية، والشوكولاتة الداكنة (بنسبة كاكاو لا تقل عن 75%)، والحنطة السوداء، والشوفان المطبوخ ببطء، والأطعمة المخمرة، والمكسرات والبذور، والبيض، والخضراوات الورقية والصليبية، والموز، والكركم.
تنصح الدكتورة ديانوفا بتجنب الكحول، والإفراط في تناول الكافيين، ومشروبات الطاقة، والمشروبات الغازية المحلاة، والسكريات الخفية في الصلصات، والزبادي قليل الدسم، والعصائر المعلبة، خاصة في أوقات الضغط الشديد. وتختتم بالقول: "عندما يحصل الجسم على كل ما يحتاجه من عناصر غذائية ويعمل ميكروبيوم الأمعاء بتناغم، يصبح توازننا الداخلي أكثر ثباتاً، مما يقلل من التوترات الجسدية، ويحسن النوم، ويعزز قدرتنا على مقاومة الأمراض الموسمية، ويجعل استجاباتنا للمؤثرات الخارجية أكثر هدوءاً واتزاناً."