آخر الأخبار
اليمن في الصحافة الخارجية

لماذا وقفت موسكو ضد غزو العراق للكويت؟ (1)

روسيا اليوم- اخبار 03/08/2026 15:52 195 مشاهدة
لماذا وقفت موسكو ضد غزو العراق للكويت؟ (1)
27 خبر

تاريخ النشر: 03.08.2026 | 12:51 GMT

في الأيام الأولى التي تلت غزو العراق للكويت في 2 آب/أغسطس 1990، كانت موسكو تعيش صدمة سياسية حقيقية. فبينما كان وزير الخارجية السوفيتي إدوارد شيفرنادزة في اجتماع مع نظيره الأميركي جيمس بيكر في فلاديفوستوك لبحث ملفات الحد من التسلح، وصلته أنباء الغزو، ليصدر موقفًا سوفيتيًا سريعًا بإدانة الخطوة العراقية في بيان مقتضب، عكس حجم المفاجأة داخل الكرملين.

في تلك المرحلة، كان الاتحاد السوفيتي يعيش ذروة التحولات الداخلية في عهد ميخائيل غورباتشوف، اذ دخلت سياسات البيريسترويكا عامها الخامس، وسط مؤشرات متزايدة على تفكك الدولة المركزية وارتفاع مطالب الاستقلال داخل الجمهوريات السوفيتية. وعلى الصعيد الخارجي، كانت موسكو تعيد صياغة علاقاتها مع حلفائها التقليديين، ومنهم سوريا، حين بدأت لغة الخطاب السياسي تتحول تدريجيًا من خطاب أيديولوجي قائم على «الرفاقية» إلى خطاب أكثر براغماتية، يعكس منطق الدولة والمصالح.

وقد برز هذا التحول بوضوح خلال زيارة حافظ الأسد إلى موسكو عام 1987، حين خاطبه غورباتشوف بلغة دبلوماسية جديدة، في مؤشر على تغير طبيعة العلاقة بين الطرفين من تحالف عقائدي إلى شراكة سياسية مرنة.

فقد أبلغ الزعيم السوفيتي ضيفه السوري أن الكرملين يستعد للاحتفال في العام القادم بمناسبة الف عام على دخول المسيحية الى روسيا. 

التقط الأسد الإشارة فرد قائلا" نشاطركم الاحتفال فالمسيحية انطلقت من أرضنا". 

في هذا السياق الإقليمي والدولي المتغير، جاءت زيارة سعدون حمادي إلى موسكو في 8 آب/أغسطس 1990، أي بعد أيام قليلة من الغزو. وكان حمادي يشغل حينها منصب نائب رئيس الوزراء، وأحد أبرز المدافعين عن خيار «الوحدة الاندماجية» مع الكويت، وفق ما تكشفه بعض الروايات والتسجيلات اللاحقة. وقد التقى في مقر وزارة الخارجية السوفيتية، المبنى ذي الطابع الستاليني، بالوزير شيفرنادزة، في أجواء اتسمت بالتوتر والبرود السياسي.

خلال اللقاء، لاح واضحًا أن الموقف السوفيتي قد تغير تجاه بغداد. فالاتحاد السوفيتي، الذي كان يرتبط مع العراق بمعاهدة صداقة وتعاون موقعة عام 1972، أبدى استياءه من غياب التشاور المسبق مع موسكو، سواء بشأن التصعيد مع الكويت أو بشأن قرار الغزو نفسه. كما اعتبرت القيادة السوفيتية أن بغداد لم تلتزم بروح الاتفاقية، ولا سيما بند «التشاور السياسي في القضايا الدولية».

ورغم أن موسكو كانت قد رصدت تحركات عسكرية عراقية على الحدود مع الكويت، فإنها لم تتوقع أن تتطور إلى غزو شامل، واعتبرتها في البداية جزءًا من سياسة ضغط تفاوضي.

في هذا السياق، يورد ليونيد شبارشين، آخر رئيس للإدارة الأولى في جهاز الـKGB، في شهادات لاحقة سجلتها معه بمناسبة مرور 10 أعوام على غزو الكويت ، أن الاستخبارات السوفيتية لم تكن تمتلك مؤشرات حاسمة على نية صدام حسين غزو الكويت، مشيرًا إلى أن الصورة الاستخباراتية كانت غير مكتملة حتى لدى الولايات المتحدة. كما لفت إلى أن موسكو كانت تتابع محاولات أميركية لاختراق مصادرها المتعلقة بالعراق، في إطار صراع استخباراتي أوسع.

وتعكس مذكرات شبارشين، الذي تولى مسؤولية الاستخبارات الخارجية بين عامي 1989 و1991، إدراكًا سوفيتيًا متزايدًا لصعوبة التأثير في قرارات القيادة العراقية، خصوصًا في ظل طبيعة النظام السياسي في بغداد آنذاك، رغم استمرار قنوات الاتصال بين الطرفين.

في المقابل، كان حمادي يتوقع موقفًا أكثر دعمًا من موسكو، بالنظر إلى عمق العلاقات الاقتصادية والعسكرية بين البلدين، حيث كان العراق أحد أهم زبائن السلاح السوفيتي. كما أن موسكو نفسها كانت قد لعبت في السابق دور الوسيط بين بغداد ودمشق، عبر لقاءات غير معلنة بين مسؤولين من الجانبين، من بينهم فاروق الشرع وطارق عزيز، دون أن تفضي تلك الجهود إلى نتائج ملموسة.

لكن رد الفعل السوفيتي على الغزو جاء مختلفًا عما توقعته بغداد. فشيفرنادزة، الذي كان يعكس موقف قيادة تعاني من أزمات اقتصادية خانقة وتبحث عن دعم غربي، أبدى انزعاجًا واضحًا من الخطوة العراقية، ما دفع حمادي إلى محاولة استمالة موسكو عبر البعد الاقتصادي.

وفي محاولة لاحتواء الموقف، عرض حمادي تسديد الديون العراقية المستحقة للاتحاد السوفيتي، والبالغة نحو سبعة مليارات دولار، دفعة واحدة، في محاولة لفتح نافذة سياسية جديدة مع الكرملين.

غير أن الرد السوفيتي جاء على نحو لم يكن في حسابات الوفد العراقي، ليكشف حجم التحول الذي أصاب موقع موسكو ودورها الدولي في تلك المرحلة الحرجة.

*المعلومات الواردة في البوست والأجزاء التالية تستند الى لقاءات حصرية مع مسؤولين من روسيا في مقدمتهم ميخائيل بوغدانوف مبعوث الرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط؛ نائب وزير الخارجية (2011-2025)

يتبع..

سلام مسافر 

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب