عندما يجلس الواحد منا مع دبلوماسي عربي، أو صحفي أجنبي، أو باحث يفترض أنه مطلع على خريطة المنطقة، تصدمه الحقيقة المرة: أكثر ما يملكونه من معلومات عن اليمن مستقى من قنوات ووسائل إعلام الحوثي، أو من تسريبات دبلوماسية خفية تخدم خصوم الدولة بمهارة.
حين تسأل نفسك عن السبب، تكتشف الفجيعة؛ فالصوت اليمني الرسمي غائب تمامًا، والسفارات والبعثات الدبلوماسية التي يُفترض أن تكون "خط الدفاع الأول" عن الوطن، تحولت إلى ما يشبه مكاتب البريد أو أماكن لتصديق المعاملات وختم الأوراق، بعيدة كل البعد عن هموم الوطن ومعركته الوجودية.
صميم العجز: كيف تكلست السفارات وتحولت إلى "غنائم"؟
إن ما نراه اليوم من رخاوة وعجز دبلوماسي ليس وليد اللحظة، بل هو حصاد مرّ لسنوات طويلة من سوء الإدارة وغياب الرقابة. لقد تعاملت أحزاب ومراكز نفوذ مع السفارات اليمنية في الخارج كـ"حصص" توزع بالتراضي والمحاصصة، لا كمواقع وطنية حساسة تتطلب أصحاب كفاءة وولاء حقيقي للجمهورية.
النتيجة المباشرة لهذه العقلية كانت كارثية:
سفير بلا قضية: جرى إرسال أشخاص لا يملكون أبسط أدوات العمل الدبلوماسي، ولا يجيدون فن التواصل مع النخب أو الصحافة في دول الاعتماد. سفير جالس في مكتبه المغلق، لا يغادره إلا لمناسبة اجتماعية عابرة، وكأنه موظف في إدارة محلية نائية، وليس ممثلًا لدولة تواجه حرب وجود.
غياب المبادرة: أصبحت البعثات الدبلوماسية عبئًا ماليًا وإداريًا، تعاني من الترهل والبيروقراطية القاتلة، بلا خطط عمل واضحة، وبلا أي جهد لشرح حقيقة ما يجري في اليمن للمجتمع الدولي أو العربي.
كيف نجح الخصم في ملء الفراغ؟
في الوقت الذي كانت فيه السفارات اليمنية تغط في سبات عميق، وتكتفي بالصمت أو بإصدار بيانات خشبية لا يقرؤها أحد، كانت ماكينة الحوثي الإعلامية والدبلوماسية تعمل ليلًا ونهارًا لتشكيل وعي الشارع العربي والغربي.
عربيًا: استغل الحوثيون غياب الخطاب الرسمي الرصين ليصوروا الصراع وكأنه مجرد أزمة محلية عابرة أو مشاكل جانبية، متلاعبين بالعواطف ومستغلين تعاطف الشعوب مع القضايا الإنسانية، بينما تقاعست الدبلوماسية اليمنية عن توضيح أن خطر الميليشيا يمس أمن كل بيت عربي واستقرار الملاحة في البحر الأحمر.
دوليًا: نجح الخصم في اختراق منظمات حقوقية ووسائل إعلام غربية بسرديات مظلومية وهمية ومحبوكة بذكاء، بينما عجزت السفارات اليمنية عن كتابة صفحة واحدة باللغات الحية تفنّد تلك الأكاذيب وتضع الحقيقة أمام صناع القرار في الغرب.
والأمر الأكثر إيلامًا أن بعض من يُفترض بهم إدارة هذه المعركة، يهربون من مواجهة الخارج ومن وعورة المسؤولية، ليغرقوا في معارك جانبية تافهة داخل الصحافة المحلية والسجالات الضيقة، وكأنهم يعيشون في كوكب منفصل عن آلام الشعب اليمني ومعركته الكبرى.
هل من فرصة للإنقاذ؟
إن إخراج الدبلوماسية اليمنية من غرفة العناية المركزة يتطلب شجاعة حقيقية وجراحة لا تقبل المجاملة. ومع قدوم إدارة جديدة لوزارة الخارجية بقيادة شخصية عملية واقتصادية صارمة مثل أفراح الزوبة، ودعمها بخبرة دبلوماسية مخضرمة مثل مصطفى نعمان، يبرز بصيص أمل لإيقاف هذا النزيف.
لكن النجاح لن يتحقق إلا إذا تجرأت الوزارة على كسر القوالب القديمة:
طرد المحاصصة من السفارات: إزاحة الأسماء التي دخلت بلا كفاءة واستبدالها برجال دولة حقيقيين يفهمون معنى تمثيل اليمن.
النزول إلى ميدان التأثير: تحويل السفارات إلى منابر حية تتحاور مع الصحافة العربية والغربية، وتطرق باب مراكز الدراسات، وتكشف زيف خطاب الحوثي بالحقائق والأرقام.
مخاطبة عقول العالم: ترك لغة البيانات الإنشائية القديمة، واعتماد خطاب سياسي وإنساني بسيط وواضح، يلامس وجدان المواطن العربي والغربي، ويؤكد أن اليمن هو جوهر أمن المنطقة وكرامتها.