أخبار محلية

استعراض الفجوة على أكتاف الفقراء .. عندما تتحول فرحة بناتنا إلى مزاد للتباهي!

المنتصف نت- المنتصف نت 09/08/2026 16:22 255 مشاهدة
استعراض الفجوة على أكتاف الفقراء .. عندما تتحول فرحة بناتنا إلى مزاد للتباهي!

​لم تعد بهجة التخرج من الثانوية العامة في عاصمة اليمن المؤقتة «عدن» مرتبطة بسهر ليل الكفاح، ولا بحصاد درجات التفوق التي تُجنى بماء العين والجهد المضني، بل باتت مسرحاً مفتوحاً لطبقة جديدة أدمنت استعراض العضلات المالية و«مرض البذخ الاستعراضي». ففي قاعة «الفخامة الكبرى»، التي كان يفترض أن تكون واحة فرح متساوية لجميع الخريجات وعائلاتهن على اختلاف مستوياتهن المادية، تحول العرس الجماعي إلى ما يشبه «سوقاً سوداء» للتباهي الفج. هناك، حيث تقف الأسر المحدودة الدخل عاجزة حتى عن تأمين أبسط متطلبات المعيشة، قرر «ميسورو الحال» ـ وفي مقدمتهم ابنة محافظ العاصمة ـ أن يقيموا حفلاً خاصاً داخل الحفل العام، مرصعين الطاولات بآلاف الدولارات، ومُعلقين الأوسمة والأموال الفارهة على رقاب الخريجات وكأنهن سلع في مزاد علني، في استهتار كامل بمشاعر الآلاف ممن بالكاد يجدون قوت يومهم.

حين يفقد المسؤولون الحد الأدنى من الحساسية الإنسانية!
​من العبث أن تطالب المواطن المقهور بالصبر، بينما يرى ابنة المسؤول الأول في المدينة تحول حفل تخرج عام إلى منصة لاستعراض الثروة الفاحشة ورمي الأموال الطائلة، وكأنها تقول للفقراء: «اشربوا من بحر عدن المنقطع عنه الكهرباء!». إنها مفارقة مأساوية أن يحتفل مسؤولو هذه المدينة المكلومة وأبناؤهم ببذخ فاحش، في وقت تعاني فيه العاصمة من انهيار كامل للخدمات، ورواتب متروكة للريح، وأسر لا تجد ما ترمق به رمق أطفالها.
إن هذا السلوك الفج لا يعبر فقط عن انعدام الذوق الإنساني، بل يمثل فضيحة أخلاقية، واعتداء صارخاً على مشاعر الناس، وتكريساً وقحاً لفجوة طبقية يغذيها من هم في سدة السلطة والذين يفترض أن يكونوا أول من يشعر بنبض الشارع لا أن يستفزوا أوجاعه.

​ عندما يُطحن الأطفال والفقراء بأنياب «الدولارات»
​لم يكن البذخ مجرد أرقام تُصرف بلا ضمير، بل كان سكاكين طعنت قلوب الأسر البسيطة التي حضر آباؤها وأمهاتها بفارغ الصبر ليروا فرحة بناتهم. أمام مشاهد ترصيع الطاولات بآلاف الدولارات والهدايا التي تُباع وتُشترى، انكمشت الفتيات ذوات الدخل المحدود في زوايا القاعة، وابتلعت الأمهات الدموع وهن يدركن أن مقاعد الدراسة التي تساوين فيها جهداً، باتت تُقاس في سوق المزايدات بوزن العملة الصعبة.
لقد تحولت فرحة النجاح إلى غصة مريرة، وهُزت ثقة بنات الفقراء بأنفسهن وبمستقبلهن، في جريمة نفسية واجتماعية ارتكبتها طبقة بلا وجدان، لا ترى في المجتمع سوى خلفية باهتة لصور "السيلفي" الخاصة بها وهي ترمي أموال الشعب المنهوبة على الطاولات.

​هل بات الترف العلني بديلاً عن الحياء المجتمعي؟
​من المثير للاشمئزاز حقاً أن تتجرد النخبة الجديدة في عدن من أي شعور بالمسؤولية الأخلاقية أو المجتمعية حين تقام احتفالات في قاعات مشتركة تجمع الغني والفقير، تفرض المروءة والشهامة اليمنية العريقة أن يتخفف القادرون من مظاهر الاستعراض تجنباً لجرح مشاعر الجيران والمعوزين. لكن يبدو أن «مليشيا المال الحرام» والوجاهات الطارئة أدمنت استفزاز البيئة الحاضنة لها.
إن التباهي بالأموال في وجه مجتمع يعاني الأمرين من الجوع والفقر والبطالة ليس مجرد "حرية شخصية" كما يحاول البعض تسويقه، بل هو سفاهة مجتمعية واضحة، ورعونة سياسية وأخلاقية تعكس مدى الانفصال التام بين من يعيشون في أبراج عاجية من أموال العبث، وبين شعب يبحث عن رغيف الخبز وسط ركام الأزمات.

​ هل من عودة للضمير الحي في عاصمة الأمواج والوجع؟
إن ما شهدته قاعة «الفخامة الكبرى» ليس مجرد تفصيل عابر في حفل تخرج، بل هو ناقوس خطر يفضح حجم التفسخ القيمي الذي يضرب النخبة الحاكمة والمترفة في عدن. لقد أثبت هذا المشهد البائس أن الفجوة لم تعد مالية فحسب، بل أصبحت أخلاقية وإنسانية سامة، تفصل بين إنسان يعصر قلبه الألم ليصنع مستقبل ابنته، وآخر يغسل أمواله الاستعراضية بدموع المحرومين.
إن استمرار هذا التمادي في استفزاز الفقراء لن ينتج سوى براكين مجتمعية لا تُحمد عقباها؛ فالحجارة التي تُبنى بها قصور البذخ اليوم، والأسوار التي تعزل الأغنياء عن بؤس الشارع، لن تستطيع حمايتهم غداً عندما يلفظهم التاريخ كما تلفظ الأمواج كل زبد طاف على السطح. وعدن الأحرار والتاريخ لن تفرط طويلاً بهويتها الإنسانية لصالح مجموعة من الطارئين الذين لا يتقنون سوى الرقص على جراح البائسين!