مقالات

سلسلة قدّك دكتوراه (9):  قدّك دكتوراه ... حين يختلط النقد بالإساءة

بوست 24 09/08/2026 16:56 237 مشاهدة
سلسلة قدّك دكتوراه (9):   قدّك دكتوراه ... حين يختلط النقد بالإساءة
د.فيزان سنان بن نعمالأحد 9 أغسطس 2026 — 04:55 م

من المفترض أن تكون الدكتوراه أعلى مراحل التكوين العلمي، حيث تتسع العقول للاختلاف، ويصبح النقد أداةً لبناء المعرفة، لا لهدم الأشخاص. لكن ما يحدث أحيانًا في بعض البيئات الأكاديمية هو العكس؛ إذ يختلط النقد العلمي بالإساءة الشخصية، حتى يصبح الباحث منشغلًا بالدفاع عن نفسه أكثر من انشغاله بالدفاع عن فكرته.

وهنا، لا نخسر باحثًا فقط... بل نخسر ثقافة أكاديمية كاملة.

النقد للفكرة... لا لصاحبها ؛ فهناك فرق كبير بين أن تقول:"هذه الفكرة تحتاج إلى دليل أقوى."

وبين أن تقول:"كيف وصلت إلى الدكتوراه بهذا المستوى؟".

الأولى تناقش الفكرة , أما الثانية، فتطعن في الشخص. والفرق بينهما هو الفرق بين جامعة تُنتج المعرفة، وبيئة تُنتج الإحباط.

القسوة لا تزيد البحث جودة ، وللاسف يعتقد بعض الأكاديميين أن الشدة في الحديث، أو التقليل من الطالب أمام زملائه، وسيلة لتقوية شخصيته.

لكن الحقيقة أن الإهانة لا تُخرج باحثًا أفضل، بل قد تُخرج باحثًا خائفًا ، والباحث الخائف لا يُبدع.

إنه يكتب ما يرضي الآخرين، لا ما يقتنع به، ويختار الطريق الآمن، لا الطريق الصحيح.

ثقافة الخوف لا تصنع علماء فحين يخشى الطالب السؤال حتى لا يُحرج ... ويخاف من الاعتراف بعدم المعرفة حتى لا يُسخر منه...

ويتردد في طرح فكرة جديدة خشية التقليل منها...

فاعلم أن المشكلة لم تعد في الطالب، بل في البيئة التي تعلّم فيها.

فالجامعة التي يعجز فيها الباحث عن قول:

"لا أعلم"...هي جامعة تُربّي على الادعاء أكثر مما تُربّي على التعلم.

النقد الحقيقي يبدأ بالاحترام ، الاحترام لا يُضعف النقد. بل يمنحه قوة أكبر ، فالكلمة المهذبة قد تغيّر فكرة.

أما الكلمة الجارحة، فقد تكسر صاحب الفكرة قبل أن تمنحه فرصة لتطويرها.

ولذلك، فإن أعظم الأكاديميين ليسوا أكثرهم حدة، بل أكثرهم قدرة على تصحيح الخطأ دون المساس بكرامة صاحبه.

رسالة إلى المشرفين وأعضاء لجان المناقشة:

أنتم لا تناقشون رسالة فقط...بل تبنون شخصية باحث سيحمل هذا العلم إلى أجيال أخرى.

فلتكن ملاحظاتكم دقيقة، وحازمة إن لزم الأمر، لكن دون تجريح أو استعراض أو انتقاص.

فالهيبة الحقيقية لا تحتاج إلى رفع الصوت، ولا إلى كسر النفوس.

رسالة إلى طلاب الدكتوراه:

تعلّموا أن تميّزوا بين النقد والإساءة ، تقبّلوا الملاحظات التي تطوركم، ولا تجعلوا الكلمات القاسية تُطفئ شغفكم.

فليس كل نقد هجومًا، كما أن ليس كل هجوم نقدًا.

واخيرا

العلم لا ينمو في بيئة المجاملة، لكنه أيضًا لا يزدهر في بيئة الإهانة ؛ فالجامعة التي تحترم الإنسان، تُنتج علمًا يحترم الإنسان.

أما الجامعة التي تخلط بين القوة والقسوة، فقد تربح الصمت... لكنها تخسر الإبداع.

إذا كان النقد يهدم الإنسان قبل أن يُصلح الفكرة... فالمشكلة ليست في الباحث، بل في ثقافة النقد نفسها.