محافظات | تقرير استقصائي
تتفاقم أزمة الغاز المنزلي في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة لتتحول من مجرد "شح طارئ" إلى أزمة بنيوية مرادفة للمعاناة اليومية؛ حيث تزداد طوابير السيارات أمام محطات التعبئة وتنعش السوق السوداء، وسط اتهامات لقيادات حكومية وفي مجلس القيادة الرئاسي بفرضه "فيتو" غير معلن على فتح باب الاستيراد من الخارج، والإبقاء على احتكار حقول مأرب لسلسلة الإمداد.
تأتي هذه الاختناقات المتكررة رغم إمكانية فتح الاستيراد عبر الموانئ الجنوبية كحل عملي وناجز كفيل بتغطية العجز، وكسر معادلة الارتفاع القياسي لأسعار الغاز المحلي القادم من حقول صافر بمأرب مقارنة بالأسعار المستوردة المفترضة.
1. شلل الأسواق وانكشاف الرواية الرسمية
على عكس البيانات المطمئنة المنشورة عبر وسائل الإعلام الرسمية، يعكس الواقع الميداني في محافظات عدن، وحضرموت، وتعز حالة إجهاد واستنزاف للمواطنين:
• في عدن: تحول البحث عن أسطوانة غاز إلى "رحلة شاقة" في ظل تقليص الحصص وتذبذب أوقات التوزيع.
• في حضرموت (المكلا): خرجت المشكلة من نطاق العجز العابر إلى أزمة هيكلية متكررة تضغط على ميزانيات الأسر.
• في تعز: تتضاعف المأساة بفعل كلفة النقل ومخاطر الطرقات، ما يدفع المواطنين لاقتناء المادة بأسعار مضاعفة من السوق السوداء.
2. ثلاثية الفساد: الجباية، التسريب، والقطاعات القبلية
تكشف مصادر بوزارة النفط أن "الخلل التمويني" لا يقف عند الحدود التشغيلية لحقول صافر، بل يتصل بصورة مباشرة بوجود منظومة معقدة من المصالح النافذة شبكة الفساد:
• التسريب القسري: تهريب كميات كبيرة من الشحنات المخصصة للمحافظات المحررة باتجاه مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي نظير أرباح قياسية.
• القطاعات والاحتجاز القبلي: تعرض قاطرات النقل لاحتجاز متكرر وفرض إتاوات وجبايات غير قانونية تحت دعاوى أمنية وقبلية، تؤدي مباشرة لزيادة الكلفة النهائية على المستهلك.
• توزيع الحصص: غياب الشفافية في آليات تخصيص الشحنات واستمرار احتكار القطاع الخاص النافذ لنقل وتوزيع المادة.
وفي مقابل ذلك، تُرجع الشركة العامة اليمنية للغاز سبب الاختناقات الحالية إلى أعمال صيانة دورية في منشآت صافر شارفت على الانتهاء، بالإضافة لرفع قطاع قبلي أدى لاحتجاز قاطرات الغاز مؤخرًا، معلنة فرض "نظام التتبع الآلي عبر الأقمار الصناعية" على المقاطرات لمنع التلاعب بالمسارات.
3. لغز تعطيل "منشأة بروم": بنية تحتية مجهزة وفيتو سياسي
تتجلى المفارقة في تعطيل قرار الاستيراد برغم جهوزية البنية التحتية المهيأة لذلك؛ حيث خضعت منشأة "بروم" بمحافظة حضرموت لعمليات تأهيل وتوسعة استراتيجية، تشمل أنبوبًا بحريًا وخزانات بطاقة استيعابية تصل إلى 600 طن متري من مادة (LPG).
وتشير المنشأة بوضوح إلى أن الدولة تمتلك مسبقًا الركائز الفنية لتنويع مصادر الطاقة وإنشاء مخزون استراتيجي، مما يطرح تساؤلات حادة حول الخلفيات السياسية والمصالح المتضاربة التي تعرقل استخدام هذه المنشأة لتغذية السوق بالغاز المستورد.
المعالجات المطلوبة: ما بعد التتبع الآلي
تؤكد المعطيات أن الرقابة التقنية وتتبع حركة القاطرات عبر الأقمار الصناعية قد تحد من التهريب، لكنها لن تُنهي جذر المشكلة التموينية ما لم يُتخذ قرار شجاع بإجراء إصلاحات هيكلية تشمل:
1. كسر الاحتكار: إلغاء القيود على استيراد الغاز عبر الموانئ والموانئ الجافة لتأمين التنافسية.
2. شفافية الإيرادات: خضوع كافة عمليات التحصيل والبيع من حقول صافر لرقابة مالية ومحاسبية مستقلة.
3. تفعيل المخزون الاستراتيجي: تشغيل منشأة بروم فورًا لتفادي أي هزات أو قطاعات قبلية مستقبلية في خطوط إمداد مأرب.