دعا الناشط السياسي عارف ناجي علي إلى إعادة تعريف مسار الحل السياسي في اليمن مؤكدًا أن الحوار الجنوبي–الجنوبي يمثل خطوة مهمة لترتيب البيت الجنوبي، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لاختزال الأزمة اليمنية في الجنوب أو إلى بديل عن معالجة جذور الصراع في الشمال والجنوب معًا.
وأوضح ناجي أن المطلوب من الحوار الجنوبي–الجنوبي ليس جمع المكونات فقط، وإنما إشراك مختلف القوى والتيارات الجنوبية، والبحث في القواسم المشتركة وصياغة رؤية واضحة حول مستقبل الجنوب وحقوق أبنائه وشكل الشراكة السياسية التي يريدها الجنوبيون.
وشدد على أن السؤال الأهم داخل هذا الحوار هو: ما هي الشراكة الجنوبية الحقيقية؟ وهل ستكون شراكة قائمة على التوافق والتعدد واحترام إرادة المجتمع، أم ستتحول إلى إعادة إنتاج هيمنة طرف واحد على بقية المكونات؟
وقال إن تجربة ما بعد وحدة 1990 ثم حرب 1994 تقدم درسًا لا ينبغي تجاهله، إذ إن انهيار الشراكة السياسية وفشل معالجة الخلافات ودمج المؤسسات العسكرية كان من العوامل التي دفعت نحو الحرب، فيما تركت نتائجها آثارًا سياسية واجتماعية عميقة على الجنوب.
وفي المقابل، يرى ناجي أن الحوار الشمالي–الشمالي يجب ألا يكون أقل أهمية، بل ينبغي أن يجيب بصراحة عن سؤال: ماذا يريد الشمال من الجنوب؟ وما شكل الشراكة التي يمكن أن يقبل بها الطرفان؟
وأضاف أن الحوار الشمالي–الشمالي يجب أن يناقش مستقبل القوى السياسية والعسكرية والقبلية ومراكز النفوذ، ومسؤولية الأطراف عن الصراعات السابقة، وشكل الدولة، والسلطة والثروة، وصولًا إلى موقف شمالي واضح يمكن أن يكون أساسًا لحوار جنوبي–شمالي متكافئ.
وأكد أن الشراكة المنشودة بين الشمال والجنوب لا يمكن أن تقوم على استعادة منطق القوة والهيمنة أو فرض الوحدة بالقوة، كما لا ينبغي أن تقوم على فرض الانفصال بالقوة، وإنما على اتفاق سياسي جديد يضمن الحقوق والتمثيل والموارد والأمن والعدالة والضمانات القانونية، ويمنع تكرار تجارب الماضي.
وأشار إلى أن السؤال الذي يجب أن يسبق أي تسوية هو: ما هي القاعدة المشتركة التي يمكن أن تجمع اليمنيين شمالًا وجنوبًا؟
ويرى ناجي أن هذه القاعدة يمكن أن تبدأ من استعادة الدولة ومؤسساتها، وإنهاء الانقلاب الحوثي، وحماية اليمن ومياهه وممراته الدولية، وفي مقدمتها البحر الأحمر وباب المندب، ثم معالجة الوضع الاقتصادي والمعيشي ومكافحة الفساد وإعادة بناء المؤسسات، بما يجعل الجبهة الداخلية أكثر تماسكًا وقدرة على مواجهة التحديات.
وفي هذا السياق أشار إلى أن التطورات المرتبطة بالبحر الأحمر والتصعيد الحوثي لم تعد قضية يمنية داخلية فقط، بل أصبحت ذات أبعاد إقليمية ودولية، وهو ما يجعل توحيد الموقف الوطني وتقوية مؤسسات الدولة ضرورة تتجاوز الحسابات الحزبية والمناطقية.
وشدد ناجي على أن الجبهة الداخلية لا يمكن أن تكون قوية في ظل اتساع الفجوة بين من يعيشون خارج البلاد ويتمتعون بموارد ودعم وفرص أفضل، وبين مواطن في الداخل يواجه الغلاء وانهيار الخدمات وضعف الدخل، معتبرًا أن أي مشروع سياسي لا يضع حياة المواطن ومعيشته في مقدمة أولوياته سيظل بعيدًا عن صناعة السلام الحقيقي.
وقال إن اليمن لا يحتاج فقط إلى اتفاق سياسي بين النخب، وإنما إلى مشروع يعيد الثقة بين المواطن والدولة، ويضع مكافحة الفساد وإصلاح الاقتصاد والخدمات والمرتبات ضمن صلب التسوية السياسية، وليس باعتبارها ملفات مؤجلة.
وأكد أن الرعاية السعودية والإقليمية والدولية ينبغي أن تساعد اليمنيين على الوصول إلى هذا التوافق، دون أن تتحول إلى وصاية على القرار اليمني، خصوصًا أن التطورات الإقليمية الأخيرة تؤكد أن استقرار اليمن مرتبط بأمن المنطقة والملاحة الدولية.
وختم ناجي بالقول إن الجنوب يحتاج إلى حوار جنوبي–جنوبي، والشمال يحتاج إلى حوار شمالي–شمالي، لكن الهدف النهائي يجب أن يكون حوارًا شماليًا–جنوبيًا يبحث عن شراكة جديدة لا عن منتصر ومهزوم.
وأضاف: «السؤال الحقيقي ليس فقط كيف نوحد الجنوب أو كيف يوحد الشمال، وإنما كيف نبني قاعدة مشتركة يستطيع من خلالها الشمال والجنوب أن يتفقا على مستقبل اليمن، وأن تكون الدولة والمواطنة والحقوق والعدالة والتنمية ومكافحة الفساد هي أساس هذه الشراكة».
وأكد أن الانتقال من إدارة الأزمة إلى حلها يتطلب عدم إعادة تدوير الماضي، بل استخلاص دروسه وبناء صيغة سياسية جديدة تستوعب الجميع، وتضع مصلحة المواطن اليمني فوق مصالح مراكز النفوذ والحسابات الضيقة.