أخبار محلية

اليمن.. أليس فيكم رجل رشيد؟.. حين ترقص البلاد على حافة الهاوية ويغيب العقل

المنتصف نت- المنتصف نت 17/08/2026 12:48 282 مشاهدة
اليمن.. أليس فيكم رجل رشيد؟.. حين ترقص البلاد على حافة الهاوية ويغيب العقل

حين تصبح الأوطان رهينة للعناد، وتتحول عواصم التاريخ والحضارة إلى حقول تجارب للمآسي، يرتفع السؤال الأزلي موجعاً بلا جواب: أليس فيكم رجل رشيد؟ سؤال يختزل صرخة شعب أعيته الحيلة، وذبحته صراعات لا غالب فيها ولا مغلوب سوى الوطن.

​من مهد الحكمة إلى مطحن الأزمات
​لم تكن اليمن عبر تاريخها الطويل مجرد رقعة جغرافية عابرة، بل كانت منبت الحكمة ومنارة المدونة الإنسانية الأولى؛ غير أن المشهد اليوم يبدو سريالياً وموجعاً إلى حد الجنون. يقف المرء مذهولاً أمام هذا الانحدار المريع والتفنن في صناعة الخراب والشقاء، متسائلاً بمرارة بالغة: ما الذي حدث ويحدث على هذه الأرض الطيبة؟
​ألستم عقلاء، وأذكياء، وأصحاء الأبدان والعقول؟ فلماذا صمّم الجميع، أو هكذا بدا للمتابع، على دفع البلاد نحو هذه القاع السحيق من الانهيار الشامل؟
كيف لبلد يمتلك هذا الإرث الحضاري والمقومات البشرية أن يتحول بفعل أبنائه وصراعاتهم العبثية إلى مدينة أشباح، ومسرح مفتوح للأزمات المفتعلة، والجوع الممنهج، والتمزق المجتمعي الذي لا يرحم شيئاً؟

​«رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا».. وما أشبه اليوم بالبارحة
​حين نتأمل مآلات الحاضر، يرتسم أمامنا بوضوح عجيب قول الله تعالى حاكياً قصص الأمم الغابرة في سورة سبأ:
​(فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَذَرْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ).
​لقد كانوا يوماً في نعمة سابغة، وجنتين عن يمين وشمال، وخضرة ورزق رغيد وأمن استثنائي، لكنهم بطروا النعمة، وتكبروا، واستمريئوا العناد، فبطروا الأمن والاستقرار قائلين بلسان الحال والمقال ما يعكس جحودهم وتشتت إرادتهم. وكانت النتيجة الحتمية لتلك المكابرة أن مزقهم الله كل ممزق، وضرب الشتات أطنابه في ديارهم، فتحولوا إلى مجرد أحاديث وعِبَر لمن يعتبر.
​وما أشبه اليوم بالبارحة! فكأن التاريخ يعيد نفسه بحذافيره على هذه الأرض الطيبة؛ كنا نرفل في نعمة الاستقرار والسكينة، نتحرك بأمن وأمان، ففرّطنا بأيدينا في النعم، واستبدلنا لغة الحكمة بلغة السلاح، واستمرأنا التمزيق والتفرقة، لنجد أنفسنا اليوم نكتوي بنار الفرقة والتيه، ونتجرع مرارة الشتات والانهيار.

​صمّام أمان تحطم.. وحكمة ضلت طريقها
​على مدار سنوات عجاف، ظلت أصوات العقل والتعقل تخفت تدريجياً، ليحل محلها صخب البنادق ولغة الاستعلاء وإلغاء الآخر. لقد تم تعطيل "صمّام الأمان" الاجتماعي والسياسي الذي كان يقي البلاد سابقاً شر الانزلاق نحو حافة الهاوية.
​توارى العقلاء والحكماء خلف أسوار الخوف أو الصمت المطبق، وتصدر المشهد من لا يقرأون التاريخ ولا يتعظون بدروسه؛ فباتت القرارات تُتخذ بعقلية الغنيمة لا بعقيدة الدولة، وتحولت مقدرات الشعب إلى ورقة مساومة في معارك ضيقة لا أفق لها. الجميع يعلم أن الحرب لا تورث إلا الرماد، وأن الخراب لا يستثني أحداً، ومع ذلك يستمر العزف على وتر المكابرة، وكأن كبرياء الزعامات والتشكيلات السياسية أثمن بكثير من أرواح ملايين البشر الذين تلتهمهم طاحونة الغلاء، وانعدام الخدمات، وشلل الحياة اليومية.

​شعب يكتوي بنار العبث.. وجغرافيا تُستباح
​بينما ينشغل المتصارعون بتقاسم النفوذ ورسم خرائط الوهم، يدفع المواطن البسيط وحده ثمن هذه الخطايا التاريخية. شعب أكل الدهر على كرامته وشرب، وتحولت تفاصيل حياته اليومية إلى جحيم لا يطاق؛ فلا كهرباء تقي الناس حر الصيف، ولا رغيف خبز آمن، ولا عمل يحفظ ماء الوجه، ولا أفق سياسي يلوح في الأفق ليبدد عتمة اليأس.
​أصبح الإنسان اليمني رهينةً لدورة لا تنتهي من الأزمات المفتعلة، حيث تُهدر الثروات وتُعطل الطاقات في معارك جانبية، بينما تتهاوى البنى التحتية وتتفكك النسيج الاجتماعي الذي كان يوماً مضرب المثل في التضامن والتكافل.

​نداء أخير قبل الطوفان
​إن ما يحدث اليوم ليس قدراً محتوماً، بل هو حصيلة تراكمات من العناد وغياب الرؤية الوطنية الجامعة. وإن استمرار هذا النهج التدميري يعني ببساطة كتابة الشهادة الأخيرة لكيان اسمه اليمن.

​من بين أزقة الجوع وتحت لهيب المعاناة، تبرز الحاجة الملحة لصحوة ضمير وطنية؛ صرخة مدوية تُطلق في وجه الجميع: أليس فيكم رجل رشيد يوقف هذه المهزلة؟ متى يعود العقل إلى سيادة القرار، ومتى تتقدم مصلحة الوطن والشعب على كل اعتبار حزبي أو مناطقي ضيق، لنستعيد ما أضاعته أيدينا من نعمة الأمن والوئام؟
​فالتاريخ لا يرحم، وعقوبة بطر النعم والتمزق ماثلة لمن اعتبر، والأجيال القادمة لن تنسى من ساهم في إحراق سفينة الوطن وهي في عرض البحر. فهل من مُدّكر قبل فوات الٱوان؟