في ظل الأزمات المستمرة التي تواجهها المليشيات في حشد المقاتلين، تواصل مليشيا الحوثي استغلال الأوضاع الإنسانية والقانونية الصعبة للنزلاء داخل السجون الواقعة تحت سيطرتها.
وفي خطوة تعكس حجم الانتهاكات وتجاهل المعايير الإنسانية والقانونية، عمدت المليشيا إلى إبرام صفقات إكراه ومقايضة مع مئات السجناء، عارضةً عليهم الخروج من الزنازين شريطة الانتقال مباشرة إلى جبهات القتال الأمامية.
صفقات مشبوهة على حساب العدالة
تؤكد مصادر مطلعة أن الأجهزة الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي في عدد من المحافظات فتحت أبواب السجون أمام صفقات مشبوهة، حيث تم تخيير السجناء – بغض النظر عن طبيعة القضايا الموقوفين على ذمتها أو جسامة التهم الموجهة إليهم – بين البقاء في السجن أو الالتحاق بالمعسكرات والجبهات.
وجرى استغلال ظروف الاحتجاز القاسية والتعطيل المتعمد لإجراءات التقاضي، لتقديم وعود وهمية بإسقاط الأحكام، أو تخفيفها، أو الإفراج الشامل عن كل من يقبل بالمشاركة في العمليات القتالية. ووفقاً للشهادات، فإن العديد من النزلاء وجدوا أنفسهم مجبرين على قبول هذه العروض تحت وطأة الضغط النفسي والمعيشي داخل سجون تعاني من انهيار الخدمات وغياب أبسط حقوق الإنسان.
استغلال ممنهج لأوضاع الهشاشة
لا تقتصر هذه الممارسات على المساومة فحسب، بل تتعداها إلى تضليل السجناء عبر إيهامهم بأن مشاركتهم ستكون مقيدة بفترة زمنية محددة أو في مهام إسناد خلفية، لتتكسر تلك الوعود على صخرة الواقع فور وصولهم إلى مناطق التماس وتحويلهم إلى وقود معارك بلا طائل.
إن الزج بهؤلاء الأفراد في خطوط النار يمثل انتهاكاً صارخاً للقوانين المحلية والدولية التي تحمي حقوق النزلاء وتمنع استغلال حاجتهم أو وضعهم القانوني لأغراض عسكرية. كما تؤكد هذه السياسات تعمد مليشيا الحوثي الالتفاف على أي مساعٍ لإيجاد حلول سلمية، عبر الاستمرار في سياسة التحشيد وتغذية جبهات القتال بعناصر غير مؤهلة وبأساليب تقوم على الابتزاز والضغط.
جريمة حرب
عارف الحمادي، رئيس منظمة رصد لحقوق الإنسان قال:
"ما تقدم عليه مليشيا الحوثي من استغلال ممنهج لأوضاع النزلاء داخل السجون والزج بهم في محارق الجبهات مقابل وعود وهمية بالحرية، يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان وانتهاكاً صارخاً لكافة القوانين والمعايير الدولية الإنسانية.
إن تحويل المؤسسات العقابية إلى أسواق لمقايضة أرواح البشر يعكس مدى استهتار المليشيا بحياة اليمنيين واستغلالها لحالة الضعف القانوني والمعيشي للنزلاء لتحقيق مكاسب عسكرية، وهو ما يتطلب تدخلاً دولياً وأممياً عاجلاً لوقف هذه الانتهاكات وحماية المحتجزين من الابتزاز والموت المتمثل في هذه الصفقات القسرية."
تخبط عسكري ومأزق حقيقي
الدكتور محمد القيسي، الكاتب والباحث السياسي قال:
"إن لجوء مليشيا الحوثي إلى تجنيد السجناء والموقوفين على ذمم قضايا مختلفة وإرسالهم إلى خطوط التماس الأمامية، يؤكد حجم المأزق الحقيقي والتخبط العسكري الذي تعاني منه جراء عزوف المجتمع عن رفد جبهاتها بالبشر.
هذا السلوك الإجرامي يثبت مجدداً أن المليشيا لا تبالي بمستقبل المجتمع أو بأرواح أبنائه، بل تسعى دائماً لتوظيف الأزمات الإنسانية والانتهاكات القانونية لخدمة مشروعها التخريبي، وإننا ندعو كافة المنظمات الحقوقية والأطراف الفاعلة إلى إدانة هذه الممارسات ومحاسبة مرتكبيها."
دعوات حقوقية للتدخل العاجل
أثارت هذه التطورات موجة استنكار واسعة في الأوساط الحقوقية والمجتمعية، التي حذرت من خطورة هذه الخطوات وتداعياتها الكارثية على حياة السجناء وأسرهم. وطالب ناشطون ومنظمات حقوقية المجتمع الدولي والمنظمات الأممية المعنية بحقوق الإنسان بالتدخل العاجل للضغط على مليشيا الحوثي لوقف هذه الانتهاكات، وحماية النزلاء من استغلالهم كأدوات حرب، مشددين على ضرورة إخضاع ملف السجون لإشراف قضائي مستقل يضمن حقوق المحتجزين بعيداً عن المساومات السياسية والعسكرية.