مع اقتراب الذكرى الـ44 لتأسيس المؤتمر الشعبي العام في 24 أغسطس، يستعيد الحزب واحدة من أبرز محطات الحياة السياسية اليمنية الحديثة، منذ تأسيسه في 24 أغسطس 1982 بقيادة الرئيس علي عبدالله صالح، بوصفه إطاراً سياسياً جامعاً انبثق من ظروف معقدة عاشتها البلاد، وسعى منذ نشأته إلى استيعاب مختلف التيارات والقوى الاجتماعية والسياسية تحت مظلة مشروع وطني يستند إلى مبادئ الميثاق الوطني وبناء الدولة وتعزيز النظام الجمهوري.
وخلال أكثر من أربعة عقود، ارتبط المؤتمر بمحطات مفصلية في تاريخ اليمن، بدءاً من بناء مؤسسات الدولة وتوسيع مشاريع التنمية والخدمات، وصولاً إلى تحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو/أيار 1990، التي مثلت أحد أبرز التحولات في التاريخ السياسي المعاصر للبلاد. وشهدت سنوات قيادة المؤتمر للدولة تنفيذ مشاريع في مجالات التعليم والصحة والطرق والاتصالات والموانئ والمطارات، إلى جانب الانتقال إلى نظام التعددية الحزبية والسياسية وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية ومحلية، جعلت من صناديق الاقتراع إحدى أدوات المشاركة السياسية وتداول السلطة.
ولم يكن المؤتمر مجرد حزب حاكم، بل تحول، بحكم تركيبته الواسعة، إلى مظلة سياسية واجتماعية ضمت شخصيات وتيارات متعددة، مستفيداً من مرونة الميثاق الوطني ووسطيته في استقطاب قطاعات واسعة من المجتمع. كما خاض الحزب تجربة سياسية طويلة اتسمت بتعدد المحطات والأزمات، كان من أبرزها أحداث 2011 وما أعقبها من تسوية سياسية وانتقال للسلطة في فبراير/شباط 2012، قبل أن تدخل البلاد مرحلة أكثر تعقيداً مع انقلاب مليشيا الحوثيين وسيطرتها على مؤسسات الدولة في سبتمبر/أيلول 2014.
ويواجه المؤتمر الشعبي العام اليوم تحديات متعددة، في مقدمتها استعادة وحدته التنظيمية، وتوحيد مراكز القرار، وتجديد بنيته القيادية، وإعادة بناء حضوره الجماهيري، إلى جانب تطوير خطاب سياسي يتناسب مع متغيرات المرحلة واستقطاباتها. ومن أبرز التحديات كذلك ضرورة إعادة النظر في بعض الممارسات التنظيمية والسياسية التي أضعفت العلاقة بين القيادة وقواعد الحزب، وفي مقدمتها عقلية «هذا بالجيب» التي تفترض ضمان الولاء السياسي بصورة دائمة، والاهتمام المتوازن بالكوادر والقواعد المؤتمريّة وتأهيلهم، بدلاً من استقطاب شخصيات وعناصر من أطراف سياسية أخرى على حساب الأعضاء والأنصار الذين ظلوا أوفياء للحزب وثابتين في أصعب الظروف والعواصف السياسية.
ويحتاج المؤتمر، في المقابل، إلى إعادة الاعتبار لقواعده التنظيمية، وتقدير المخلصين من كوادره وأنصاره، وإشراكهم بصورة فاعلة في صناعة القرار، إلى جانب ضخ دماء جديدة في هياكله وتفعيل دور الشباب والكوادر المؤهلة، بما يضمن تجديد الحزب من الداخل واستعادة حيويته وقدرته على المنافسة السياسية، مع الحفاظ على إرثه الوطني وقاعدته الشعبية، كما أن تجاوز الانقسامات يتطلب مراجعة نقدية للتجربة السابقة.
وفي هذا السياق، تتجه أنظار قطاع واسع من قواعد المؤتمر إلى السفير أحمد علي عبدالله صالح، نائب رئيس الحزب، باعتباره إحدى الشخصيات التي يُنظر إليها بوصفها قادرة على الإسهام في إعادة ترتيب البيت المؤتمري واستعادة تماسكه. وقد ازدادت التطلعات إلى دوره السياسي عقب رفع العقوبات الأممية المفروضة عليه، وسط آمال بأن يسهم حضوره خلال المرحلة المقبلة في توحيد الصفوف، وإعادة تفعيل مؤسسات الحزب، وتعزيز التواصل مع مختلف القوى الوطنية، وفتح قنوات سياسية أوسع على المستويين الإقليمي والدولي بما يخدم القضية الوطنية واستعادة مؤسسات الدولة.
وتتجاوز التطلعات المرتبطة بأحمد علي عبدالله صالح الجانب التنظيمي للمؤتمر إلى إمكانية بلورة دور سياسي أوسع للحزب في المرحلة المقبلة، في ظل حاجة اليمن إلى قوى قادرة على بناء التوافقات وفتح مسارات للحوار والمصالحة الوطنية. ويضع ذلك أمام المؤتمر استحقاق إعادة تقديم نفسه كتنظيم سياسي مدني يؤمن بالتعددية والتداول السلمي للسلطة، ويستند إلى مشروع الدولة والمواطنة المتساوية ووحدة اليمن وسلامة مؤسساته، مع الاستفادة من خبرته التاريخية وتجنب أخطاء الماضي.
ومع حلول الذكرى الـ44 لتأسيسه، يقف المؤتمر الشعبي العام أمام لحظة سياسية فارقة؛ فالحفاظ على إرثه لم يعد مرتبطاً باستعادة الماضي بقدر ما يتطلب بناء مستقبل جديد للحزب ولليمن. وبينما تراهن قواعده على دور أكثر فاعلية لأحمد علي عبدالله صالح في إعادة توحيد صفوفه واستعادة حضوره، فإن قدرة المؤتمر على تجاوز انقساماته، وتجديد قياداته، وتفعيل دور شبابه، والإنصات إلى قواعده المخلصة، والانفتاح على مختلف القوى الوطنية، ستكون عوامل حاسمة في تحديد موقعه خلال المرحلة المقبلة. وفي بلد أنهكته الحرب والانقسامات، فإن استعادة الأحزاب لدورها السياسي والمؤسسي، وفي مقدمتها المؤتمر الشعبي العام، يمكن أن تشكل مدخلاً مهماً للدفع نحو معركة حاسمة واستعادة الدولة.