مع مشارف الهزيع الأخير من آب، وتحديداً ونحن نرقب بوعيٍ حصيف اقتراب الرابع والعشرين منه، لا يقف القارئ الحذق للتاريخ اليمني المعاصر أمام مجرد رقم في تقويم الأيام، بل يجد نفسه بإزاء لحظة تدوينٍ فارقة، استدارت معها جغرافيا السعيدة نحو مرافئ الضياء.
إنها الذكرى الرابعة والأربعون لتأسيس المؤتمر الشعبي العام؛ المؤسسة التي لم تولد في غرف مغلقة أو تولد بنصل القيصرية السياسية، بل انبثقت من أصلاب حاجة وطنية كبرى، لتكون العقل الجامع والعمود الفقري لدولة حديثة تلمست طريقها بين ركام التشظي وصخب الأيديولوجيات العابرة للحدود.
لقد كان اليمن قبل فجر ذلك اليوم من عام 1982م، يعيش مخاضاً عسيراً تتنازعه الولاءات الضيقة، وتتقاسمه الهويات الصغرى التي كادت أن تطيح بأحلام ثورتي سبتمبر وأكتوبر المجيدتين.
وفي تلك اللحظة التاريخية الحرجة، تجلت عبقرية الفكرة في اجتراح صيغة الميثاق الوطني ـ الوثيقة الفلسفية الأبقى التي لم يكتبها حبر الساسة بل نبض الشارع اليمني بكافة أطيافه من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. لقد كان الميثاق، ولا يزال، بمثابة العقد الاجتماعي الفريد الذي غسل عقول النخبة من أدران التبعية، وأعاد صياغة الوعي الجمعي على قاعدة صلبة: أن اليمن لا يُبنى بزعم نقاء السلالة أو تفرد الحزب، أو بتبعية الجماعة. بل بامتزاج السواعد كلها تحت مظلة الهوية الوطنية الجامعة.
من هذه المرجعية الفكرية الحصيفة، انطلقت ورشة إعمار لم تشهد لها الجزيرة العربية مثيلاً في العصر الحديث.
لم يكن المؤتمر حزب شعارات جوفاء أو تنظيراً متعالياً، بل كان تنظيم الأرض والإنسان، وحزب الجرافة والزراعة والمدرسة والطريق. على يديه تفتقت الصخور لتشق شرايين الأسفلت نحو أعمق الوديان، وبأمره عاد الماء ليتدفق في حوض سد مأرب العظيم ملوحاً لبلقيس أن الحضارة لا تموت بل تنام لتستيقظ. وفي عهده الميمون، تفجرت خيرات الأرض من نفط وغاز، لتتحول تلك الثروات برؤية تنموية وازنة إلى منارات علم وجامعات حكومية في كل حاضرة، ومستشفيات ومراكز صحية حملت النور والطبابة إلى أطراف القرى النائية التي طالها النسيان لعقود.
بيد أن المعجزة الكبرى التي ستبقى تاجاً مرصعاً في جبين هذا التنظيم الرائد، هي هندسة يوم الثاني والعشرين من مايو عام 1990م؛ يوم أن رُفع علم الوحدة في ثغر عدن الباسم.
لم تكن الوحدة مجرد دمج إداري أو توقيع بروتوكولي، بل كانت صياغة لعهد ديمقراطي جديد تلازمت فيه الوحدة بالتعددية السياسية وحرية الصحافة وصناديق الاقتراع.
لقد أثبت المؤتمر الشعبي العام، وهو الحزب الحائز على الأغلبية الكاسحة بتفويض شعبي متكرر، أنه يملك مروءة الفرسان وحكمة الشيوخ؛ فلم يستأثر بالسلطة، بل رسّخ ثقافة الحوار، وأفسح للمرأة دورها الريادي، وفتح للشباب نوافذ الصدارة ليصنعوا ديمقراطية يمنية خالصة بهرت العالم بعقلانيتها وتسامحها.
ولم تنفصل هذه العبقرية الداخلية عن الاتزان الخارجي، فقد صاغ المؤتمر لليمن سياسة خارجية اتسمت بالحصافة والوقار، نأت بالبلاد عن سياسة المحاور، وغلّبت لغة العقل وحسن الجوار، وتوجت بحل المعضلات الحدودية الشائكة بالطرق السلمية والتحكيم الدولي، مما جعل اليمن ركيزة استقرار لمنطقة البحر الأحمر والخليج العربي، وصوتاً مسموعاً في المحافل الدولية.
بينما نقترب من هذه الذكرى المتجددة، ندرك بيقين اليمني الحكيم، أن المؤتمر الشعبي العام لم يكن مرحلة عابرة في تاريخ اليمن، بل هو التعبير الأسمى عن الشخصية اليمنية في اعتدالها، ووسطيتها، وقدرتها على البناء والتجدد.
إن إرث هذا الحزب العريق، الممتد في تفاصيل كل مدرسة، والشامخ في أعمدة كل جسر، والمحفور في وجدان كل مواطن عاش وعي الاستقرار والرخاء، يظل هو الضمانة الحقيقية والمنطلق الأساس لأي نهوض وطني مستقبلي.
فالمؤسسات الكبرى قد تهزها العواصف، لكن الجذور العميقة لا تموت، بل تظل تنتظر الفجر لتورق من جديد عدلاً ونماءً وسلاماً.