اليمن في الصحافة الخارجية

لا تنسيق أمني بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية

روسيا اليوم- اخبار 28/08/2026 15:14 160 مشاهدة
لا تنسيق أمني بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية
16 خبر

تاريخ النشر: 28.08.2026 | 12:13 GMT

قال رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية سيرغي ناريشكين إن لقاءه مع مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA جون راتكليف تناول جملة من القضايا التي تدخل في اختصاص الاستخبارات.

كذلك صرح المتحدث الرسمي باسم الكرملين دميتري بيسكوف بأنه من السابق لأوانه تحديد مدى تأثير هذا اللقاء على إقالة العلاقات الروسية الأمريكية من الأزمة العميقة التي تمر بها حاليا، كما ذكر أن التواصل بين أجهزة الاستخبارات في البلدين، حتى في أصعب لحظات العلاقات الثنائية، هو أمر جيد وهو ما صرح به مرارا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

من جانب آخر، سارعت وسائل الإعلام المختلفة من الشرق والغرب إلى تفسير هبوط الطائرة العسكرية الأمريكية من طراز "بوينغ – غلوب ماستر 3" Boeing Globemaster III C-17A، القادمة من العاصمة اللاتفية ريغا في مطار فنوكوفو جنوب موسكو، 25 أغسطس الجاري.

فقال من قال إن الطائرة تنقل "شيئا ما إلى" روسيا، وقال آخرون إنها تنقل "شيئا ما من" روسيا، ما يستلزم استخدام طائرة الشحن C-17A غير المخصصة لنقل كبار المسؤولين، والتي تستطيع حمل أفراد ومعدات وشحنات كبيرة.

حتى الآن، لا توجد أي معلومات رسمية من أي طرف من الأطراف عن نقل الطائرة أي شحنة إلى أو من موسكو، لكن ما يمكن أن يستخدم كمعلومة فيما ظهر من تقارير عن الطائرة هو أنها كانت مجهزة بنظام ROCC أو ما يشفر بأنه Roll-On/Roll-off Conference Capsule، وهو عبارة عن مركز مؤتمرات/اتصالات متنقل شديد التأمين يمكن تحميله داخل طائرة النقل، ويتيح إجراء اتصالات ومداولات حساسة في بيئة محمية. وهو ما يمكن أن يجعل استخدام C-17A منطقيا جدا في مهمة استخباراتية شديدة السرية، حتى لو لم تكن هناك "شحنة" بالمعنى التقليدي.

وصف ناريشكين اللقاء بأنه لقاء عمل ناقش مسائل "حساسة" و"محددة" للغاية، وهو على وجه التحديد ما أردت توضيحه لمن استخدموا عبارة "تنسيق" بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية. فعلى هذا المستوى من العلاقات المتدنية بين البلدين، لا يمكن أن يكون هناك أي تنسيق بين موسكو وواشنطن، ولكن هناك اتصالات مستمرة على عدة مستويات لتبادل وتوضيح الآراء، وإن اختلفت وتناقضت إلى حد ما نراه من سماح لأوكرانيا بضرب المنشآت المدنية وفي عمق الأراضي الروسية بأسلحة وبيانات توفرها دول من حلف "الناتو"، تحت سمع وبصر وربما مباركة الإدارة الأمريكية.

هذا التبادل وتوضيح الآراء هام للغاية، ومن المهم أن يستمر، لا سيما على خلفية انتهاء معاهدة "نيوستارت"، وما نعيشه اليوم من أخطار الصدام النووي لا قدر الله. فالأجهزة الأمنية الأكثر حساسية في تبادل المعلومات ووجهات النظر، على الأقل للحفاظ على الحد الأدنى من أرضية الثقة التي تبدو اليوم كبحر من الرمال المتحركة.

فنحن لا نلمح أي خطوة عملية فعلية من جانب الإدارة الأمريكية الحالية تشير إلى التجاوب مع "روح أنكوريج"، حيث كان لقاء الرئيسين الروسي والأمريكي على أرض أمريكية في ألاسكا، وحيث وافق الجانب الروسي على مقترحات وأفكار مشتركة، لم تلبث أن ذهبت أدراج الرياح، عقب تدخل حزب الحرب في أوروبا ممثلا في زعماء بريطانيا وألمانيا وفرنسا الذين يدعمون الدمية الأوكرانية التي تستمر في التضحية بأشقائنا في أوكرانيا من الشعب المكلوم، الذي يتم التضحية به على مذبح المصالح السياسية الأوروبية قصيرة الأفق.

ثم استمرت الاتصالات بين الرئيسين وتبادل الوفود بين ممثلي الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر وستيف ويتكوف وممثل الرئيس الروسي للتعاون الاستثماري والاقتصادي مع الدول الأجنبية ورئيس الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة كيريل دميتريف ومساعد الرئيس يوري أوشاكوف، وللحظة بدا أن هناك أمل، لينقض نظام كييف ومن ورائه الأوروبيون على مصافي البترول ومستودعات ومنشآت البنية التحتية المدنية الروسية في عمق الأراضي الروسية، بل ويستمر التصعيد والدعم من قبل الإدارة الأمريكية ذاتها، لا سيما عقب أزمة مضيق هرمز، وما تفاقم من أزمات أمريكا اللاتينية، وبطبيعة الحال كانت هناك القضية الفلسطينية، ودعم إسرائيل في جرائمها وإبادتها للشعب الفلسطيني، لتؤكد ما أشرت إليه وأكدت عليه من محاولات الولايات المتحدة وحلفائها عرقلة انتقال العالم إلى العالم الجديد متعدد الأقطاب.

ولا شك أن فشل هذه المساعي يوما وراء يوم، سواء على خلفية صمود الشعب الإيراني، أو استمرار المقاومة في أماكن مختلفة من العالم، يدفع إلى هيستيريا غير محسوبة العواقب من جانب الغرب، وهو ما يدفع نحو وصف روسيا في عقيدة "الناتو"، والاتحاد الأوروبي، والبنتاغون بوصفها "خطر كبير" وتهديد وجودي، ويدفع نحو ما تستخدمه النخب السياسية الأوروبية كفزاعة لشعوبها، في محاولة لتبرير مليارات اليورو التي تذهب دون حساب إلى جيوب الأوليغارشيين الأوكرانيين، وعلى رأسهم زيلينسكي، من أن روسيا "تستعد للعدوان على أوروبا.

ما أثق فيه شخصيا هو أن الغالبية العظمى من نخب العسكريين والعاملين في أجهزة الاستخبارات والأجهزة الأمنية في الولايات المتحدة والبلدان الغربية يستوعبون أن كل هذه السرديات هي محض هراء، كما يستوعبون تماما أن إلحاق "هزيمة استراتيجية" بروسيا هو أمر مستحيل فعليا وبالتجربة العملية بالنظر إلى ما يجري في ساحة المعركة. كذلك يدرك هؤلاء أن الاستمرار بهذه السياسة من القادة السياسيين سينعكس بالسوء على بلادهم، وقد بدأ الجميع يلاحظون ذلك، وهو ما خفض من تسليح أوكرانيا مقارنة بأشهر ماضية، مقابل الاعتماد على الهجمات الإرهابية بالطائرات المسيرة ضد أهداف مدنية. 

كذلك انخفضت حدة الخطاب العدواني ضد إيران، وإن كان البيت الأبيض قد صرح، يوم أمس، بأن المفاوضات قد توقفت. لم تبق عمليا سوى إسرائيل التي تستمر في التصعيد لأنها تدرك تماما أن انتقال العالم إلى أجواء دولية جديدة لا بد وأن يفتح صفحة جرائم إسرائيل التي ارتكبتها بحق الشعب الفلسطيني وهي جرائم لا تسقط بالأقدمية، وسيحاسب كل المسؤولين عنها. 

وبعد أن تم توقيع اتفاقية دفاع مشترك بين المملكة العربية السعودية وباكستان، ثم توقيع اتفاقية دفاع مشترك بين الكويت وباكستان، وزيارة رئيس مجل الوزراء ووزير خارجية قطر إلى طهران، لم يبق أمام الولايات المتحدة سوى استعراض وصول رئيس الاستخبارات المركزية الأمريكية إلى موسكو بطائرة شحن عسكرية ضخمة، وتصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن ثمة علاقة "جيدة للغاية" بين الرجلين راتكليف وناريشكين!

أعتقد أن ما سينقله جون راتكليف للإدارة الأمريكية عقب عودته هو رسالة واضحة بأن موسكو مستعدة لإجراء محادثات مع واشنطن حول معالجة الأسباب الجذرية للأزمة والقضاء على كافة التهديدات المنطلقة من الغرب بأيدي أوكرانيا وغيرها، كما سينقل راتكليف أيضا، فيما أظن، استعداد روسيا فورا للمساهمة بدور الوسيط لحل أزمة هرمز، بما يعالج الأسباب الجذرية لهذه الأزمة أيضا، وهو موقف روسيا المبدئي من جميع القضايا، فلا يوجد ما تخفيه روسيا، وهي واضحة ومبدئية في التعبير عن مواقفها في مجلس الأمن الدولي وسائر المنظمات الدولية.

ختاما، لا يوجد أي تنسيق بين روسيا والولايات المتحدة في أي من الملفات الدولية أو الإقليمية وفقا لما تحاول الإدارة الأمريكية إيهام العالم به، ولما تحاول بعض وسائل الإعلام ترويجه. هناك تبادل لوجهات النظر، التي تبدو حتى اللحظة على طرفي نقيض، وبحاجة لمزيد من العمل الدبلوماسي والسياسي.

الكاتب والمحلل السياسي/ رامي الشاعر

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب