قبل نحو عشر سنوات، شاءت الأقدار أن أُختار مراقبًا دوليًا للانتخابات البرلمانية في جمهورية أوزبكستان. كانت تلك الزيارة الأولى لي إلى هذا البلد، لكنها تركت في نفسي انطباعًا لا يزال حاضرًا حتى اليوم.
وصلت إلى العاصمة طشقند، فوجدت مدينة جميلة ونظيفة، تتحرك فيها الحياة بإيقاع هادئ، ويبدو العمل والبناء عنوانًا واضحًا لاهتمام الناس. لم يكن المشهد مجرد عاصمة تسعى إلى تحديث بنيتها، بل مجتمعًا يضع المستقبل أمامه، ويعمل من أجله.
ثم كانت سمرقند محطتي الثانية، المدينة التي تختزن في حجارتها وطرقاتها صفحات طويلة من التاريخ الإسلامي والإنساني. وهناك كان ضريح الإمام البخاري، أحد أشهر رواة الحديث الشريف، تجربة مختلفة في حد ذاتها. دخول المسجد والوصول إلى الضريح يمنح الزائر إحساسًا خاصًا؛ مزيج من السكينة والروحانية، وكأن المكان يحتفظ بشيء من نفحات أولئك الذين عاشوا للعلم والإيمان وخدمة الناس.
قبل عشر سنوات، كان الأوزبك يعملون منذ ساعات الصباح الأولى، حتى في أيام البرد القارس، لبناء بلدهم الذي لم يمض وقت طويل على استقلاله. كان واضحًا أن المجتمع يدرك حجم المهمة، وأن بناء الدولة يحتاج إلى وقت وصبر وعمل متواصل.
واليوم، وبعد مرور سنوات، تبدو نتائج ذلك العمل واضحة.
شاءت الظروف أن أعود هذا العام إلى أوزبكستان، بدعوة للمشاركة في احتفالاتها بمرور 35 عامًا على الاستقلال، إلى جانب حضور المنتدى الإعلامي الدولي. وكانت العودة بمثابة لقاء مع بلد أعرفه، لكنني وجدته قد تغير كثيرًا.
رأيت أوزبكستان أكثر شبابًا وحيوية، ومدنًا أكثر تطورًا، وحياة يومية تسير بسهولة وهدوء. رأيت شعبًا مبتسمًا ومضيافًا، يعتز بتاريخه وينظر في الوقت نفسه إلى المستقبل. وكان في استقبالنا شباب أوزبكستان بالورود والطبول، في مشهد يعكس جانبًا من ثقافة شعب يعرف كيف يحتفي بضيوفه، وكيف يحول الفنون والتراث إلى جزء من صورته الحديثة.
وفي الاحتفال بذكرى الاستقلال، الذي أقيم بحضور الرئيس شوكت ميرضيائيف، بدا واضحًا ذلك الانسجام بين القيادة والشعب. لم يكن الاحتفال مجرد مناسبة رسمية، بل تعبيرًا عن شعور عام بالثقة في المستقبل، وعن دولة تريد أن تقدم نفسها للعالم باعتبارها دولة مستقرة، منفتحة، وقادرة على مواصلة مسيرة التنمية.
خلال السنوات الماضية، نجحت أوزبكستان في ترسيخ حضورها السياسي والاقتصادي في آسيا الوسطى، وقطعت خطوات مهمة في مسار التطور في مجالات متعددة. ويعود جزء من ذلك إلى سياسات الإصلاح والتحديث التي تبنتها القيادة الأوزبكية، وإلى قدرة المجتمع على الاستجابة لها والعمل من أجل تحويل الطموحات إلى واقع.
لكن ما يلفت النظر في التجربة الأوزبكية ليس فقط ما تحقق في الاقتصاد أو البنية الأساسية، وإنما الإنسان نفسه.
فالشعب الأوزبكي يحمل مزيجًا نادرًا من الاعتزاز بالتاريخ والرغبة في المستقبل. شعب طيب، مضياف، محب للحياة والفن، ويبدو أن هذه الروح كانت إحدى أدوات بناء الاستقرار الذي تنعم به البلاد.
من زيارتي الأولى إلى أوزبكستان قبل عشر سنوات، إلى زيارتي الأخيرة، وجدت بلدًا تغير كثيرًا، لكنني وجدت أيضًا شيئًا لم يتغير: الإنسان الأوزبكي، بابتسامته وكرمه واعتزازه بوطنه.
لقد تحولت أوزبكستان، خلال سنوات قليلة، إلى تجربة تستحق المتابعة، ليس لأنها وصلت إلى نهاية الطريق، وإنما لأنها اختارت طريقًا واضحًا نحو التنمية والاستقرار، وتملك شعبًا شابًا وطموحًا وقيادة تدرك أن بناء المستقبل لا يتم بالشعارات، وإنما بالعمل.
ومن مصر، ومن قلب العالم العربي والإسلامي، لا نملك إلا أن نرسل إلى الشعب الأوزبكي كل الحب والاحترام والتقدير، وأن نتمنى لهذه الدولة الصديقة مزيدًا من الاستقرار والازدهار، وأن يكون مستقبلها أكثر إشراقًا من حاضرها.
فأوزبكستان اليوم ليست فقط بلد التاريخ وسمرقند والبخاري، وإنما بلد المستقبل أيضًا.