آخر الأخبار
أخبار محلية

الحوثي والشباب الصومالي الإرهابية. .. تخادم يهدد الممرات البحرية

المنتصف نت- المنتصف نت 03/09/2026 11:20 296 مشاهدة
الحوثي والشباب الصومالي الإرهابية. .. تخادم يهدد الممرات البحرية

لم يعد البحر الأحمر وخليج عدن مجرد ممرين مائيين تتقاطع فيهما المصالح التجارية والطاقة الدولية، بل يتحولان بصورة متزايدة إلى مسرح تتداخل فيه الصراعات المحلية مع التنافس الإقليمي والدولي، وتظهر فيه شبكات مسلحة إرهابية عابرة للحدود و قادرة على استثمار الجغرافيا البحرية الهشة وتحويلها إلى مصدر نفوذ وتهديد في آن واحد بتخادم ايراني حوثي واضح.

ففي هذا السياق، تشير التقارير التي تتحدث عن تنامي الاتصالات والتعاون بين جماعة الحوثي الإرهابية في اليمن وحركة الشباب الصومالية التابعة لداعش و القاعدة والمرتبطة بالتنظيم الارهابي وقاعدته في الصومال و القرن الأفريقي، مما يثير سؤالًا بالغ الاهمية والخطورة:
 هل نحن أمام اتصالات ظرفية فرضتها المصالح المشتركة، أم اننا أمام تخادم يشكل نواة لشبكة أمنية و عسكرية عابرة للحدود ورابطة  بين آسيا و أفريقيا بما يمكن أن يعيد رسم خريطة التهديد العالمي  وفي البحر الأحمر وخليج عدن و القرن الأفريقي وتأثير ذلك على الملاحة الدولية بين آسيا وأوروبا عبر خنق مضيق باب المندب و قناة السويس؟

و من هنا فأن المفارقة الغريبة أن الجماعتين تنتميان إلى بيئتين عقائديتين مختلفتين؛ فالوجود الحوثي يستند إلى حركة شيعية جارودية ذات ارتباط استراتيجي بنظام الملالي و الحرس الثوري إلايراني، بينما تنتمي حركة الشباب الصومالية إلى التيار الجهادي المرتبط بتنظيم القاعدة الإرهابي. 
لكن تاريخ الصراعات يؤكد لنا دائمًا أن الجماعات الإرهابية المسلحة لا تجعل من الأيديولوجيا حاجزًا أمام التعاون عندما تتقاطع المصالح الأمنية و المالية والعسكرية ومع شعارها الدائم "الغاية تبرر الوسيلة".

ومن هنا تكمن خطورة المسألة، فالمشكلة لا تتمثل بالضرورة في وجود تحالف رسمي معلن بين الطرفين بل هو خفي وغير معلن لأسباب كثيرة، و إنما تم تعميده من  خلال نشوء شبكة من المصالح و الوسطاء والمهربين و الخبرات والتقنيات المتبادلة بين الحوثيين  و الجماعات المسلحة الإرهابية في القرن  الأفريقي، بحيث تجعل الحدود البحرية بين اليمن والصومال أقل قدرة على منع انتقال السلاح والمخدرات و المعلومات والخبرات القتالية وغيرها في أولويات عملها.

فمن العداء الأيديولوجي إلى براغماتية المصلحة
فكثير من التقارير المتعلقة بالتعاون بين الحوثيين وحركة الشباب الارهابيتين متواترة وكثيرة بحيث لا يمكن تجاهلها، و إن أهم ما تكشفه هو قدرة الجماعات الإرهابية المسلحة على تجاوز خلافاتها العقائدية عندما تجد في التعاون منفعة مباشرة ومتبادلة.

حيث يمتلك الحوثيون خبرة متراكمة في الحرب غير النظامية واستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ والعبوات الناسفة وغيرها من المقومات، وهي خبرة تطورت خلال سنوات الحرب في اليمن منذ حروب صعدة الستة و حتى الان، معتمدة على الدعم المتواصل وتراكم الخبرات الإيرانية وشبكات اخرى مرتبطة بحزب الله وقوى عراقية وكذلك خبرات سورية انتقلت الى اليمن بعد سقوط  نظام  الأسد و بدعم واسناد من فيلق القدس و الحرس الثوري الإيراني لارباك المشهد الإقليمي والدولي وتداعيات الحرب القائمة ومعضلة مضيق هرمز  لرفع الكلفة على أمريكا و العالم.

وفي المقابل، تمتلك حركة الشباب الإرهابية خبرة واسعة في العمل السري والعمليات غير النظامية وشبكات التمويل والتهريب، إضافة إلى انتشارها في بيئة جغرافية معقدة على السواحل الصومالية وعلى خليج عدن وبحر العرب.

وهنا تنشأ معادلة المصالح، مما يثبت وجود تعاون منظم، مكن الحوثيين أن يقدموا خبرات وتقنيات اكتسبوها خلال سنوات الحرب، بما يمكن حركة الشباب الإرهابية أن تعقد المشهد الإقليمي بتوفير شبكات محلية وممرات بحرية مضطربة وبيئة تشغيلية في الجانب الأفريقي لاخضاع العالم و ابتزازه من قبل نظام الملالي في ايران.

حيث تشير بعض التقارير إلى وجود عمليات تدريب ونقل خبرات في مجالات تصنيع العبوات وتطوير المسيّرات واستخدامها، فضلًا عن حصول عناصر من حركة الشباب الإرهابية على تدريبات خارج الصومال وفي مناطق سيطرة المليشيات الحوثية في اليمن. غير أن حجم هذه العمليات وطبيعتها الدقيقة ومدى انتظامها غير معروف تفاصيله بشكل دقيق حتى الان، و هو ما يستوجب عدم التعامل مع كل ما يرد في هذا الملف باستخفاف بل حقيقة استخباراتية محسومة.

و حتى مع هذا التعاون المستتر و المنظم فسيكون ذا أهمية استراتيجية كبيرة لإيران و المليشيات الحوثية؛ لأن الخطر لا يقاس فقط بحجم التعاون الحالي ومدى انكشافه، وإنما بالقدرات التي يمكن أن تتراكم بمرور الوقت، وباحتمال انتقال المعرفة من جماعة إلى أخرى عبر شبكات غير رسمية يصعب رصدها واحتواؤها.

لماذا يحتاج الحوثيون إلى أفريقيا؟

شهدت البيئة الإقليمية المحيطة بإيران وحلفائها تغيرات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يدفع الحوثيين إلى البحث عن مساحات جديدة للمناورة.

فالضغوط التي تعرض لها ما يسمى بمحور المقاومة، والتغيرات التي أصابت بعض حلفاء إيران، والضغوط المتزايدة على طهران نفسها، تجعل تنويع مصادر التمويل والدعم والاتصالات هدفًا منطقيًا لأي جماعة تسعى إلى الحفاظ على قدرتها على البقاء والمواجهة.

لكن المسألة بالنسبة للحوثيين تتجاوز البحث عن حلفاء جدد.

الموقع الجغرافي لليمن يمنح الجماعة ميزة استراتيجية استثنائية. فمن يسيطر على أجزاء من الساحل اليمني يستطيع التأثير، ولو بصورة غير مباشرة، في أحد أهم الممرات البحرية التي تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس.

أما إذا تمكنت الجماعة من بناء روابط مع شبكات مسلحة على الجانب الأفريقي من خليج عدن، فإن المجال الجغرافي لعملياتها المحتملة يتسع بصورة كبيرة، وتتحول الجغرافيا من مجرد موقع إلى شبكة نفوذ واتصال.

وماذا تريد حركة الشباب؟

بالنسبة إلى حركة الشباب، فإن الحصول على تقنيات عسكرية أكثر تطورًا يمكن أن يمثل مكسبًا مهمًا في مواجهة الحكومة الصومالية والقوات الدولية والإقليمية.

وتحتاج الحركة إلى وسائل تمكنها من تعويض التفوق الجوي والتكنولوجي الذي يتمتع به خصومها، ولذلك فإن الطائرات المسيّرة وتقنيات المتفجرات والمراقبة والاستطلاع يمكن أن تضيف بعدًا جديدًا إلى قدراتها.

كما أن الوصول إلى شبكات تهريب بحرية عابرة لخليج عدن يمكن أن يمنح الحركة خيارات جديدة للحصول على الأسلحة والأموال والمواد ذات الاستخدام العسكري.

لكن الأخطر هو احتمال انتقال المعرفة، وليس السلاح فقط. فالسلاح يمكن اعتراضه أو تدميره، أما المعرفة التقنية التي تمكن جماعة من تصنيع أو تطوير هذه الوسائل محليًا، فمن الصعب القضاء عليها بضربة عسكرية واحدة.

ولا يقتصر الخطر هنا على العلاقة المباشرة بين الحوثيين وحركة الشباب، إذ يمكن أن تنتقل المعرفة أو التقنيات عبر شبكات تهريب ووسطاء وجماعات إجرامية، بما يحول النشاط المسلح من علاقة ثنائية إلى منظومة أكثر اتساعًا وتعقيدًا.

باب المندب.. قلب المعادلة

تكمن خطورة أي تقارب بين الحوثيين والجماعات المسلحة في القرن الأفريقي في الجغرافيا قبل أي شيء آخر.

يفصل باب المندب بين اليمن والقرن الأفريقي، لكنه في الوقت نفسه يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. ولذلك فإن وجود جماعة مسلحة قوية على الضفة اليمنية، بالتزامن مع وجود جماعة مسلحة أخرى ذات انتشار ساحلي على الضفة الأفريقية، يخلق بيئة أمنية مختلفة تمامًا عن وجود كل جماعة بمعزل عن الأخرى.

ولا يعني ذلك أن الحوثيين وحركة الشباب قادرون بالضرورة على إغلاق باب المندب بصورة كاملة. فالإغلاق الكامل للمضيق عملية معقدة تتطلب قدرات عسكرية كبيرة، كما أن القوى الدولية تستطيع استخدام وسائل متعددة لحماية الملاحة.

لكن القدرة على رفع مستوى الخطر، وزيادة تكلفة التأمين، وتهديد السفن، وتعطيل بعض خطوط التجارة، أو دفع شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها، هي بحد ذاتها قدرة استراتيجية مؤثرة.

وهذا هو الدرس الأهم من أزمة الملاحة في البحر الأحمر خلال السنوات الماضية: الجماعة المسلحة لا تحتاج إلى السيطرة الكاملة على الممر البحري حتى تؤثر في الاقتصاد العالمي، بل يكفي أن تجعل المرور فيه أكثر خطورة وكلفة.

ومن هنا فإن الخطر لا يرتبط فقط بإمكانية تنفيذ هجوم مشترك بين الحوثيين وحركة الشباب، وإنما باحتمال وجود بيئة بحرية متزامنة يصبح فيها رصد التهديد والاستجابة له أكثر صعوبة.

من البحر الأحمر إلى الاقتصاد العالمي

تكمن أهمية باب المندب في أنه ليس شأنًا يمنيًا أو أفريقيًا فقط.

فأي اضطراب مستمر في الملاحة بين خليج عدن والبحر الأحمر ينعكس على حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، وعلى تكاليف النقل والتأمين، وعلى سلاسل الإمداد والطاقة.

وفي حال ترافق الضغط الحوثي في الجانب الآسيوي من البحر الأحمر مع نشاط أكبر للجماعات المسلحة على الجانب الأفريقي، فإن شركات الملاحة قد تواجه بيئة أمنية أكثر تعقيدًا، يصبح فيها تحديد المناطق الخطرة والتنبؤ بالهجمات أكثر صعوبة.

وهنا تظهر خطورة التهديد الشبكي. ليس المطلوب أن تنفذ الجماعتان هجومًا مشتركًا حتى تكون هناك نتيجة استراتيجية، بل يكفي أن يؤدي التعاون أو تبادل المصالح إلى زيادة مساحة الخطر وتعقيد عمليات المراقبة والاستجابة.

هل تقف إيران خلف هذا التقارب؟

هنا يجب التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة: الدعم الإيراني للحوثيين، والدور الإيراني المحتمل في البيئة التي سمحت بظهور هذا التعاون، ثم الادعاء بأن طهران تدير بصورة مباشرة العلاقة بين الحوثيين وحركة الشباب.

المستوى الأول ثابت بدرجة كبيرة؛ فإيران قدمت للحوثيين دعمًا عسكريًا وتقنيًا واسعًا على مدى سنوات، شمل تقنيات مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة وأنظمة التسليح والتدريب.

أما المستوى الثاني فيتعلق باستفادة الحوثيين من منظومة الخبرات والتقنيات التي تطورت بدعم إيراني.

لكن المستوى الثالث، أي القول إن إيران تدير بصورة مباشرة كل تفاصيل العلاقة بين الحوثيين وحركة الشباب، يحتاج إلى أدلة أقوى وأكثر تحديدًا.

والأكثر دقة استراتيجيًا هو القول إن إيران قد تستفيد من أي توسع في هذه الشبكات حتى من دون أن تكون هي المهندس اليومي لها.

فكلما توسعت قدرة حلفائها وشركائهم على خلق نقاط ضغط جديدة على المصالح الأمريكية والغربية، اتسعت قدرة طهران على توزيع المخاطر وإبقاء خصومها أمام أكثر من جبهة.

الحوثيون.. وكيل إيراني أم لاعب مستقل؟

العلاقة بين إيران والحوثيين لا يمكن اختزالها بسهولة في نموذج الوكيل الذي يتلقى الأوامر وينفذها.

فالواقع أكثر تعقيدًا.

إيران قدمت للحوثيين دعمًا مهمًا، لكن الحوثيين يمتلكون أيضًا أجندة يمنية خاصة وحسابات محلية وإقليمية، وقد أثبتوا خلال سنوات الحرب قدرتهم على اتخاذ قرارات مرتبطة بمصالحهم المباشرة.

ومن هذه الزاوية، فإن تقاربهم المحتمل مع حركة الشباب يمكن أن يكون مفيدًا لإيران، لكنه قد يكون في الوقت نفسه جزءًا من سعي الحوثيين إلى توسيع استقلاليتهم وتنويع مصادر قوتهم وعدم الاعتماد على قناة واحدة.

وهذه مفارقة مهمة: كلما أصبح الحوثيون أكثر قدرة على بناء شبكاتهم الخاصة، أصبحوا أكثر قيمة لإيران، وفي الوقت نفسه أكثر استقلالًا عنها.

الخطر الحقيقي.. انتقال النموذج

ربما يكون أخطر ما في المسألة ليس انتقال صاروخ أو طائرة مسيّرة من اليمن إلى الصومال، وإنما انتقال نموذج كامل من الحرب غير النظامية.

هذا النموذج يقوم على استخدام التكنولوجيا منخفضة التكلفة نسبيًا، والطائرات المسيّرة، والعبوات، وشبكات التهريب، والمعلومات الاستخباراتية، والعمل من خلال خلايا صغيرة، مع استغلال الجغرافيا البحرية والحدود الواسعة.

وإذا انتقلت هذه الخبرات إلى جماعات أخرى في القرن الأفريقي، فقد لا يبقى التهديد محصورًا بين الحوثيين وحركة الشباب.

يمكن أن تنتقل المعرفة إلى جماعات مسلحة أخرى، أو شبكات إجرامية، أو مجموعات تهريب، وهو ما يجعل مكافحة الإرهاب والتهريب البحري أكثر صعوبة.

وهنا يصبح التحدي أكبر من مجرد ضبط حركة الأسلحة، لأن الشبكات الحديثة تستطيع فصل عناصر العملية الواحدة بين التمويل والنقل والتخزين والتدريب والتنفيذ، بما يجعل اكتشاف العلاقة المباشرة بين الأطراف أكثر صعوبة.

أربعة سيناريوهات محتملة

السيناريو الأول هو استمرار التعاون التكتيكي المحدود، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا، بحيث يستمر تبادل محدود للأسلحة والخبرات والمعلومات دون الوصول إلى عمليات عسكرية مشتركة واسعة.

السيناريو الثاني هو توسع التعاون التقني، بحيث تصبح المسيّرات والعبوات ووسائل المراقبة البحرية جزءًا من القدرات المتنامية لحركة الشباب.

السيناريو الثالث، وهو الأكثر خطورة، يتمثل في ظهور تنسيق بحري متزامن أو غير مباشر يرفع مستوى المخاطر في خليج عدن وباب المندب. ولا يعني ذلك بالضرورة تنفيذ هجوم مشترك، بل يمكن أن يكون مجرد تزامن في عمليات الضغط على الملاحة.

أما السيناريو الرابع فهو تراجع العلاقة أو انهيارها نتيجة الضربات الأمنية، أو الخلافات الداخلية، أو الضغوط الدولية، أو اختلاف المصالح بين الطرفين.

ويمكن مراقبة هذه السيناريوهات من خلال عدد من مؤشرات الإنذار المبكر، أبرزها ظهور عمليات نقل أسلحة منتظمة، أو زيادة النشاط غير المعتاد للقوارب بين السواحل اليمنية والصومالية، أو ظهور تقنيات جديدة لدى حركة الشباب لا تتناسب مع قدراتها السابقة، أو اكتشاف شبكات تمويل وتهريب مترابطة، أو ظهور مؤشرات على تدريب تقني منظم، أو حدوث تزامن غير معتاد في الضغط على الملاحة في خليج عدن والبحر الأحمر.

ماذا تستطيع الحكومة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي أن يفعلا؟

إذا كان هذا التهديد يتجه بالفعل نحو التحول إلى شبكة عابرة للحدود، فإن التعامل معه لا يمكن أن يقتصر على الخطاب السياسي.

المهمة الأولى يجب أن تكون استخباراتية.

فالسواحل الجنوبية والشرقية لليمن، وخليج عدن، والموانئ والمرافئ الصغيرة، تحتاج إلى منظومة مراقبة متكاملة تعتمد على المعلومات البحرية والجوية والأقمار الصناعية والمراقبة الساحلية وتبادل المعلومات مع الدول المعنية.

والأهم من امتلاك المعلومات هو القدرة على دمجها. فالمعلومات الموجودة لدى اليمن والصومال والسعودية ومصر والولايات المتحدة وغيرها من الشركاء تصبح أكثر قيمة عندما يتم دمجها في صورة أمنية واحدة بدل بقائها موزعة بين أجهزة مختلفة.

كما ينبغي تعزيز التعاون مع الحكومة الصومالية والاتحاد الأفريقي والدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، وإنشاء آلية أكثر انتظامًا لتبادل المعلومات حول حركة القوارب والأفراد والشحنات والشبكات المالية المرتبطة بالتهريب.

الحرب على الشبكات لا على القوارب فقط

من الأخطاء الاستراتيجية التعامل مع التهريب باعتباره مشكلة بحرية فقط.

شبكات التهريب لا تبدأ عند الساحل وتنتهي عند الساحل، وإنما تمتد إلى الوسطاء وشركات الواجهة والتحويلات المالية ومكاتب الصرافة والاتصالات واللوجستيات.

ولهذا فإن مواجهة أي تعاون بين الحوثيين والجماعات المسلحة في القرن الأفريقي تتطلب ضرب الشبكة كاملة، وليس مجرد اعتراض قارب أو مصادرة شحنة.

ويشمل ذلك توثيق الأدلة، وتعقب مصادر التمويل، ومراقبة الشركات والوسطاء، وتبادل المعلومات المالية، والتعاون مع الجهات الدولية المختصة بفرض العقوبات ومكافحة تمويل الإرهاب.

المعركة الدبلوماسية لا تقل أهمية

يمتلك مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية ورقة دبلوماسية مهمة إذا استطاعا تحويل ملف التعاون بين الحوثيين والجماعات المسلحة العابرة للحدود إلى قضية أمن إقليمي ودولي موثقة بالأدلة.

لكن نجاح هذه الورقة يتوقف على تقديم معلومات قابلة للتحقق، وليس الاكتفاء بالاتهامات السياسية.

فكل دليل موثق على عمليات نقل أسلحة، أو تدريب، أو تمويل، أو تهريب، يمكن أن يتحول إلى أساس للتحرك أمام مجلس الأمن والجهات الدولية المختصة.

كما أن الربط بين أمن اليمن وأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي يمكن أن يساعد في إعادة صياغة القضية اليمنية في إطار أوسع: فاستقرار اليمن لم يعد قضية داخلية فقط، بل أصبح جزءًا من أمن التجارة والطاقة والممرات البحرية الدولية.

هل نحن أمام محور جديد؟

قد يكون من المبكر الحديث عن محور متكامل يضم الحوثيين وحركة الشباب، لأن ذلك يتطلب درجة أعلى من التنظيم والتنسيق والالتزام المتبادل.

لكن من الخطأ أيضًا التقليل من خطورة نشوء شبكة مصالح بين جماعات متباينة أيديولوجيًا.

فالقرن الأفريقي والبحر الأحمر يمتلكان كل عناصر البيئة المثالية لنمو مثل هذه الشبكات: دول هشة، سواحل واسعة، حدود بحرية معقدة، نزاعات داخلية، اقتصاد غير رسمي، شبكات تهريب، وتنافس إقليمي ودولي.

وإذا أضيفت إلى ذلك خبرة الحوثيين في الحرب الصاروخية والمسيّرات، وخبرة حركة الشباب في العمل السري والانتشار المحلي، فإن النتيجة المحتملة ليست تحالفًا تقليديًا، وإنما شبكة تهديد مرنة يصعب استهدافها بضربة واحدة.

اليمن أمام اختبار استراتيجي جديد

المواجهة مع الحوثيين لم تعد مرتبطة فقط بخطوط الجبهات داخل اليمن.

فالتحول الأخطر هو أن يصبح اليمن نقطة انطلاق لشبكات عسكرية وأمنية تمتد إلى البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي.

وهنا تقع مسؤولية كبيرة على مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية في بناء استراتيجية تتجاوز رد الفعل العسكري المباشر، وتقوم على ثلاثة مسارات متوازية: حماية السواحل، وبناء شبكة استخبارات إقليمية، وتحويل الأدلة إلى ضغط دبلوماسي وقانوني دولي.

لكن نجاح هذه الاستراتيجية يتطلب أيضًا معالجة البيئة التي تسمح بنمو التهريب والجماعات المسلحة، لأن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع القضاء على شبكات تمتلك مصادر تمويل محلية، وبيئات اجتماعية واقتصادية هشة، وحدودًا بحرية شاسعة.

الخلاصة

السؤال لم يعد فقط: هل تخادم الحوثيون وحركة الشباب؟

السؤال الأكثر أهمية هو: هل تتحول الاتصالات والتعاون المحدود بين الجماعات المسلحة على ضفتي خليج عدن إلى شبكة إقليمية قادرة على نقل السلاح والتكنولوجيا والخبرات وتهديد الملاحة الدولية؟

إذا حدث ذلك، فإن الخطر لن يكون محصورًا في اليمن أو الصومال.

سيصبح باب المندب جزءًا من منظومة أمنية جديدة تتقاطع فيها الحرب اليمنية مع الإرهاب في القرن الأفريقي، وتتصل فيها شبكات التهريب بالصراعات الإقليمية، وتصبح الملاحة الدولية رهينة لمعادلة أكثر تعقيدًا.

والأخطر أن هذه الشبكة، إذا نشأت تدريجيًا، لن تحتاج إلى إعلان رسمي أو قيادة مركزية.

قد يكفي أن يعرف كل طرف ما يحتاج إليه الطرف الآخر، وأن تنتقل الأموال عبر شبكة، والسلاح عبر شبكة ثانية، والخبرة عبر شبكة ثالثة، والمعلومات عبر شبكة رابعة.

عندها لن نكون أمام تحالف تقليدي بين جماعتين مسلحتين، بل أمام اقتصاد حرب عابر للحدود وشبكة تهديد تمتد من جبال اليمن إلى سواحل الصومال، ومن باب المندب إلى خليج عدن والبحر الأحمر.

وهنا تحديدًا تكمن المعركة القادمة: ليس فقط في منع جماعة من امتلاك سلاح، وإنما في منع تشكل منظومة كاملة قادرة على إنتاج السلاح والتمويل والمعلومات والتهريب والعمليات عبر حدود الدول.