حين يقع الفأس في الرأس وتتهاوي الجبهات كبطاقات التمارين، لا تملك القيادة سوى تبني مهارة "الصدمة والذهول" وكأن المخا وباب المندب سقطتا بفعل فاعل خفي من كوكب المريخ!
اعتاد السادة في كواليس السلطة أن يديروا المعارك بمنطق المحلل السياسي الكسول، وكأن الحرب ندوة ثقافية تُقام في فندق سبعة نجوم، وليست دماء تسيل وصموداً أسطورياً يواجه الموت العبثي كل صباح. يغرقون في شقوق التخوين وتفتيش الذاكرة عن مذنب وهمي، بينما تترك تعز العارية إلا من صلابة أبنائها تواجه مصيرها وحدها في مهب الريح. وكأن المطلوب أن تحارب المدينة بصمت، وأن تنتصر بلا رصاص، وأن تقاوم الدبابات بصدور واثقة وأشعار حماسية فقط لا غير!
إنها المهزلة بعينها؛ قيادة تقف متفرجة على الشاشات كأنها تتابع مباراة نهائية، متناسين أن الكرسي الذي يجلسون عليه مهدد بالانهيار تحت أقدامهم. استيقظوا من سباتكم التاريخي واتركوا لغة البكاء على الأطلال، فالتاريخ لا يرحم المتخاذلين، وتعز ليست مجرد أيقونة للاستهلاك الإعلامي في بيانات النصر والوداع. إما أن تكونو رجال الدولة وإما أن تفسحوا المجال لمن يحملون همّ الوطن حقاً بعيداً عن بريق الفنادق الفاخرة وبطولات الشاشات الافتراضية.
القيادي العسكري: "الأسلحة لا تصل إلا في الأحلام، والجبهات تُدار بالبيانات لا بالذخيرة"
يؤكد أحد القادة الميدانيين المرابطين في خطوط النار بقمم تعز أن الوضع بلغ مرحلة بالغة الخطورة جراء الصمت الحكومي المطبق. يوضح القيادي أن الأبطال يقاتلون بأعشاب الصبر وبما تبقى من عتاد متهالك، بينما تنتظر وزارة الدفاع إشارات غامضة لا تأتي أبداً. ويشير بحسرة إلى أن صدمة سقوط المناطق المجاورة لم تحرك ساكناً في عقول غرف العمليات، بل زادتهم غرقاً في تبرير العجز والبحث عن شماعة الخيانات. يختتم بالتأكيد على أن الجبل وحده لا يكفي لصد الهجمات إذا غابت الإمدادات الحقيقية، مطالباً القيادة بالخروج من شرنقة التردد وتحويل الثقل اللوجستي فوراً نحو جبهات تعز الملتهبة.
الناشط السياسي: "الحرب تحولت إلى استعراض تلفزيوني والشرعية تكتفي بدور المتفرج"
يرى باحث سياسي ومتابع للشأن العام أن الخطاب الرسمي يعاني من انفصال تام عن الواقع الميداني القاسي. يوضح الناشط أن الطبقة السياسية والحكومية تتعامل مع معركة تعز وكأنها مسلسل درامي تُتابع حلقاته باهتمام عبر الفضائيات دون أي شعور بالمسؤولية الأخلاقية أو الوطنية.
وينتقد بشدة حالة الشلل التي أصابت مؤسسات القرار بعد سقوط المخا، مشدداً على أن الانشغال بالبحث عن الخونة لن يعيد شبراً مفقوداً ولن يرمم جبهة منهارة. ويشدد على أن المطلوب اليوم هو قرارات جريئة وعاجلة لإنقاذ الرمزية النضالية لتعز قبل أن تسقط آخر قلاع الصمود تحت وطأة التجاهل المتقصد.
المواطن التعبوي: "تركونا وحدنا نواجه الموت
والخذلان أصبح سياسة معتمدة"
يعبر مواطن من أبناء المدينة وشاهد عيان على تفاصيل المعاناة اليومية عن غضب عارم يجتاح الشارع التعزي تجاه ما يصفه بالتآمر الصامت. يروي كيف يرى الأبناء والشباب يندفعون نحو الجبهات بصدور عارية بينما تقبع الدعمات العسكرية واللوجستية في مخازن بعيدة لا يصلها سوى الغبار. ويؤكد أن السخط الشعبي بلغ ذروته، فالناس لم تعد تصدق الوعود الرنانة ولا البيانات الباهتة التي تصدر من وراء البحار أو العواصم الآمنة. ويضيف بحرقة أن تعز التي لقنت المليشيات دروساً قاسية في بدايات الانقلاب تستحق وفاءً حقيقياً لا طعنات في الظهر من حلفاء الأمس واليوم.
الصحفي الميداني: "أقلامنا وثقت بطولات لا نظير لها بينما أقلام الحكومة تكتب بيانات النعي"
ينقل صحفي محلي عايش سنوات الحصار والحرب صورة قاتمة عن خذلان الإعلام الرسمي والجهات الحكومية للقصص العظيمة التي يصنعها الإنسان التعزي. يوضح الصحفي أن العالم يتفرج على أسطورة صمود تتداعى أركانها بسبب نقص الدعم الحقيقي، بينما ينشغل المسؤولون بتقاسم المناصب وصراع النفوذ بعيداً عن أوجاع الميدان. ويؤكد أن تبرير السقوط المتلاحق بسرديات الخيانة أصبح أسطوانة مشروخة لا تمسح عار التقصير الرسمي الفادح. ويختتم بالتأكيد على أن التاريخ سيحاكم كل من تورط في ترك هذه الأيقونة وحيدة تواجه مصيرها المحتوم بجهود ذاتية وموارد معدومة.
الحقوقي المحلي: "التقصير القانوني والأخلاقي جريمة موثقة لا تسقط بالتقادم"
يحذر حقوقي بارز من التداعيات الكارثية المترتبة على استمرار تجاهل السلطة الشرعية لواجباتها الدستورية تجاه المحافظات المحاصرة. يوضح الحقوقي أن صمت الرئاسة والحكومة يمثل خرقاً صريحاً للمسؤولية القانونية والأخلاقية في حماية المواطنين وردع المليشيات الإرهابية. ويشير إلى أن التمترس خلف مبررات الصدمة والذهول لم يعد يخدع أحداً، بل أصبح دليلاً قاطعاً على العجز الإداري والسياسي المطبق. ويطالب في ختام حديثه بتشكيل ضغط شعبي وقانوني صارم لإجبار المؤسسات الرسمية على مغادرة حالة التفرج والتحرك الفوري لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.
الختام:
لم تعد تعز تحتمل مزيداً من البيانات الإنشائية ولا الوعود المبتورة التي تتبخر مع أول طلقة رصاص في الميدان. إن الصدمة المزعومة التي أصابت القيادة ليست سوى غطاء واهٍ لتبرير التخاذل والتهرب من الاستحقاقات الوطنية الملحة في لحظة تاريخية فاصلة. فإما أن تتحول مكاتب السلطة وغرف عملياتها إلى منصات لدعم حقيقي يغير معادلة الميدان، وإما أن يكتب التاريخ نهاية مخزية لشرعية اختارت الفرجة على دماء شعبها.
سقطت المخا وباب المندب، والدرس المفترض أن يكون واضحاً كعين الشمس لمن لديه بقية من ضمير أو مسؤولية وطنية.
إن ترك أيقونة الصمود وحيدة في مواجهة مصيرها لن يفتح باباً للنجاة، بل سيقود الجميع حتماً إلى قاع السقوط المذل. فلتتحرك الأيدي المكتوفة ولتستيقظ الضمائر الغافية قبل أن تُطوى صفحة الجمهورية برمتها تحت أقدام المليشيات المتربصة بالجميع بلا استثناء.