بينما يعيش اليمن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والمائية في العالم، لم تعد انتهاكات مليشيا الحوثي الانقلابية تقتصر على تدمير المدن ونهب المقدرات، بل امتدت لتطول الأمن الغذائي والمائي في مقتل.
وفي تطور بيئي واقتصادي خطير، فرضت المليشيا الحوثية قيوداً وحظراً تعسفياً مجحفاً على مزارعي المحاصيل الأساسية والذهب الأخضر (الخضراوات والفواكه والبلح والحبوب) في سهول تهامة وصنعاء وعمران. وتكشف المعطيات الميدانية والتقارير البيئية الحديثة لعام 2026 أن هذا الحظر ليس مجرد جباية مالية، بل أداة ممنهجة لتجفيف المياه الجوفية وتدمير القطاع الزراعي لصالح مضاعفة مزارع "القات" التابعة للقيادات السلالية النافذة، مما يهدد بنسف المستقبل المائي لليمن.
جرافات الجباية
شهدت الأشهر الماضية تصاعداً حاداً في الإجراءات القمعية الحوثية ضد مزارعي الفواكه والخضراوات الأساسية، حيث فرضت المليشيا عبر ما تسمى "اللجنة الزراعية والسمكية العليا" حظراً غير مبرر على نقل وتسويق المنتجات الزراعية بين المحافظات إلا بعد دفع إتاوات وجبايات جمركية باهظة تحت مسمى، دعم المجهود الحربي.
هذا الحصار الداخلي أدى إلى تلف مئات الأطنان من المحاصيل الأساسية في المزارع وتكبد المزارعين خسائر مالية فادحة أجبرت الكثير منهم على إشهار إفلاسهم وهجر أراضيهم التاريخية.
وفي المقابل، فتحت المليشيا الباب على مصراعيه لزراعة القات وحفر الآبار العشوائية غير المرخصة لصالح قياداتها النافذة. فالأراضي التي كانت تنتج القمح والذرة والفواكه بتهامة وحوض صنعاء، يتم تحويلها قسرياً وبتسهيلات حوثية إلى حقول شاسعة للقات، كونه يدر أرباحاً مالية سريعة وخيالية تُستخدم لتمويل المنظومة العسكرية للمليشيا، بينما يُترك المواطن اليمني يواجه شبح المجاعة والاعتماد الكلي على المساعدات الخارجية.
"كارتل القات الحوثي" يستنزف المياه الجوفية
يواجه اليمن كارثة جيولوجية ومائية غير مسبوقة بسبب الاستنزاف الجائر للمياه؛ حيث تشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) إلى أن البلاد تعاني من عجز مائي سنوي يتجاوز أعماقاً حرجة، حيث يتم سحب المياه الجوفية بمعدل أسرع بكثير من معدل تغذيتها الطبيعية. وتأتي زراعة القات -التي تحظى بالرعاية الكاملة من قبل مشرفي الحوثي- كأكبر مستهلك للمياه الجوفية في اليمن بنسبة تتجاوز 30% من إجمالي المياه المستخدمة في القطاع الزراعي بأكمله.
ووثقت مصادر جيولوجية تابعة للمؤسسة العامة للمياه بصنعاء قيام قيادات حوثية بحفر أكثر من 3500 بئر عشوائية عميقة خلال السنتين الأخيرتين في أحواض صنعاء، وعمران، وذمار، وصعدة، دون أي مراعاة للقوانين البيئية. هذا الحفر الجائر والمحمي بقوة السلاح أدى إلى هبوط تاريخي متسارع في مناسيب المياه الجوفية، وجفاف مئات الآبار السطحية التي كان يعتمد عليها المزارعون التقليديون لري محاصيل "المحاصيل الزراعية، مما ينذر بتحول هذه الأحواض الخصبة إلى صحارى قاحلة وغير قابلة للحياة خلال سنوات قليلة.
الفاتورة الكارثية للتدمير البيئي والزراعي
تظهر الإحصائيات الرسمية والحقوقية المحدثة حجم الجريمة البيئية والاقتصادية التي ترتكبها المليشيا في مناطق سيطرتها:
استهلاك المياه
يستهلك القات ما يقارب 800 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، وهي كمية كافية لتغطية الاحتياجات المائية والغذائية لجميع سكان اليمن.
الانهيار الزراعي
سجل إنتاج المحاصيل الغذائية الأساسية والخضراوات في مناطق سيطرة الحوثيين تراجعاً مخيفاً بنسبة تتجاوز 40%، بسبب قمع المزارعين، وارتفاع أسعار الديزل في السوق السوداء الحوثية، وشحة المياه.
الجفاف الشامل
تؤكد تقارير البنك الدولي أن حوض صنعاء مهدد بالجفاف التام، حيث انخفض منسوب المياه الجوفية في بعض المناطق بمديريات بني حشيش وهمدان إلى مستويات مرعبة بلغت أكثر من 400 متر تحت سطح الأرض، نتيجة التوسع العشوائي الموجه لزراعة القات لإنعاش خزائن المليشيا.
تجويع ممنهج وتكريس للتبعية والفقر
إن الحرب الحوثية على مزارعي الفواكه والحبوب وتجريف المياه الجوفية ليست مجرد سوء إدارة، بل هي جزء من سياسة تعمدية لتكريس الفقر والتجويع؛ فالمليشيا تدرك أن تحويل المجتمع إلى مستهلك لـ"القات" الملوث بالمبيدات الكيميائية الممنوعة والمهربة -والتي تشرف على تجارتها قيادات حوثية بصنعاء- يضمن لها إبقاء المدنيين في حالة تخدير دائم وتبعية تامة واحتياج مستمر، فضلاً عن تدمير أي فرصة لتحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي لليمن المعاصر.
وتواجه آلاف الأسر المزارعة بتهامة ومناطق ريف صنعاء خطر الهجرة القسرية والنزوح نحو المدن بعد جفاف آبارهم ومصادرة أراضيهم بقوة السلاح بذريعة عدم القدرة على دفع "الخمس" أو الضرائب الحوثية المستحدثة، مما يؤدي إلى تفكيك البنية الاجتماعية والإنتاجية للريف اليمني وتحويل المزارعين المنتجين إلى عمالة رخيصة أو مجندين في جبهات المليشيا.
الموت الجيولوجي.. النتيجة الحتمية للمشروع الانقلابي
إن حظر تسويق المحاصيل الغذائية وإطلاق العنان للاستنزاف المائي عبر كارتل القات يعري حقيقة هذا الوجود الانقلابي الذي يتغذى على الأزمات ويهدم ركائز الاستقرار المستقبلي.
كما أن استمرار الصمت الدولي والحقوقي تجاه هذا التجريف الجيولوجي والمائي الممنهج يعني الحكم بالإعدام والعطش على الأجيال القادمة، ويفرض على كافة القوى الوطنية حماية الثروة المائية والزراعية باعتبارها قضية أمن قومي يمني لا تقبل المساومة أو التأجيل.