بدأت فصول النهاية لهذه الأزمة حين نشر الدكتور جبار "تنويهاً أخيراً" أعلن فيه بوضوح قراره بحذف المنشور الذي حمل عنوان "متى يعود القيصر إلى العراق؟". وأوضح الباحث الأكاديمي أن هذا القرار الصعب جاء بعدما تبين له إصرار البعض على تحريف المعنى والهدف الذي قصده، بل وعمد آخرون إلى إضافة تفسيرات تخدم أغراضاً سياسية وطائفية مشبوهة.
وأشار شقيق الساهر إلى أنه حتى بين بعض "حسني النية"، تحول النقاش من فكرته الثقافية والوطنية الأساسية إلى "جدل كريه" لا يخدم الغاية المرجوة. وأكد بكلمات حاسمة أنه قرر "نفض علاقته بالمنشور تماماً أينما وُجد"، رافضاً بشكل قاطع أن يكون طرفاً في أي توظيف سياسي ناتج عن سوء فهم أو قصد مبيت. وختم تبريره للحذف بالتأكيد على أن هذا التراجع ليس تخلياً عن محبته لوطنه أو تمنياته بعودة شقيقه، بل هو رفض مطلق لاستغلال اسم كاظم الساهر في معارك لا علاقة له بها، مشدداً على أن "القيصر" فنان يفضل طوال مسيرته أن يترك فنه يتحدث عنه، مبتعداً عن دهاليز السياسة وصراعاتها.
قبل قرار الحذف، كان الدكتور حسين جبار قد فجّر في منشوره المحذوف حقائق تاريخية عميقة، نافياً الرواية السطحية الشائعة التي اختزلت أسباب مغادرة كاظم الساهر في عام 1998 ببطش نجل الرئيس العراقي الأسبق "عدي صدام حسين"، والتي روج لها طبيب التجميل علاء بشير في كتابه "كنت طبيباً لصدام". وتساءل جبار بمنطق المؤرخ: "لو كان عدي هو السبب الوحيد، فلماذا لم يرجع كاظم بعد مقتل عدي وسقوط النظام عام 2003؟".
وقد حلل جبار في منشوره دعوات عودة القيصر، مقسماً إياها إلى فريقين؛ الأول محب ومشتاق لكنه يجهل تعقيدات المشهد العراقي وكلُفة العودة، والثاني فريق تحركه ضغينة وحسد، يتمنى في قرارة نفسه أن يقع الساهر في فخ بلد يعاني من تفكك النسيج الاجتماعي وعداء مستتر لكل إنسان ناجح.وغاص شقيق الساهر في الجذور الحقيقية للأزمة، مؤكداً أن مرحلة التسعينيات في عهد صدام حسين شهدت تهميشاً ممنهجاً للقطاع الثقافي والفني. وكشف عن تفاصيل دقيقة شملت إيقاف استيراد الآلات الموسيقية، أجهزة التسجيل، وأشرطة الكاسيت، وتجميد تحديث الاستوديوهات. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل فُرضت قيود صارمة على الإنترنت، وحُظرت صحون البث الفضائي والهواتف الخلوية.
هذا التدهور الحاد في البنية التحتية، خلق فجوة شاسعة بين الفنان العراقي وما يشهده العالم العربي من تطور موسيقي سريع، مما "فرض المغادرة قسراً" على كاظم الساهر ليتمكن من إنقاذ مشروعه الفني. وعقد جبار مقارنة مؤلمة مع مصر، التي تعاني من تحديات اقتصادية مشابهة، لكنها تعتبر الثقافة ركيزة لقوتها الناعمة، فتدعم الأكاديميات والمسارح وتخلق بيئة تنافسية، بينما يواجه الفنان في العراق عزلة في محيط اجتماعي مشبع بـ"عدائية مَرَضية" تجاه النجاح الفردي.
الأكثر إيلاماً في التصريحات التي تم حذفها، هو توصيف واقع ما بعد عام 2003؛ حيث أكد الباحث العراقي أن عوائق المهنة تحولت إلى كابوس ثقافي وسياسي. فبدلاً من تكريم الرموز، زُج باسم كاظم الساهر ومئات الفنانين والمثقفين ضمن قوائم اتهام جائرة تحت مسمى "المطبلين للنظام السابق".
ووصف جبار العراق بأنه تحول إلى ساحة تهيمن عليها الميليشيات والفوضى، حيث لم تُبنَ المسارح، وتخلت الدولة عن رعاية الفن، ليبقى الفنان "ذليلاً مكسوراً". وتساءل بمرارة عن كيفية عودة فنان عالمي إلى وطن يهيمن عليه خطاب ديني متطرف يُكفّر الموسيقى ويعاديها، ولا يوفر الحد الأدنى من الأمان والكرامة.
وتبقى الحقيقة الثابتة التي أرساها شقيق الساهر قبل إسدال الستار على هذا الجدل، أن "القيصر" لن يعود إلى مسرح بلا أمان؛ فعودته مرهونة بعودة سلطة الدولة، سيادة القانون، وبناء بيئة تحتضن الثقافة وتُقدّر الفن بوصفه "ضرورة وجودية" ولس مجرد ترفٍ عابر.