يعود كتاب «تاريخ الصومال: رؤية تحليلية جديدة» للدكتور عبد الرحمن معلم عبد الله، المعروف بـ«باديو»، إلى الجذور التاريخية والسياسية التي قادت إلى انهيار الدولة الصومالية عام 1991، متجاوزاً التفسيرات المختصرة التي تحصر الأزمة في البنية العشائرية أو الاستعمار أو سقوط نظام محمد سياد بري.
وصدر المجلد الأول من الكتاب باللغة العربية في إسطنبول عام 2019، بترجمة حمزة عامر، بعدما ظهرت نسخته الإنجليزية عام 2017 تحت عنوان Making Sense of Somali History. ويحمل العنوان الأصلي دلالة على هدف المؤلف، الذي يسعى إلى جعل التاريخ الصومالي مفهوماً من خلال فحص العلاقة بين الفعل البشري والأفكار والمؤسسات والظروف المحيطة بها.
ينطلق الكتاب من سؤال يتجاوز حدود التجربة الصومالية: كيف يمكن لمشروع سياسي أن يحظى بتأييد شعبي واسع عند تأسيسه، ثم يعجز عن حماية الدولة التي أقامها؟ وللإجابة، لا يبدأ باديو من الحرب الأهلية أو انقلاب عام 1969، بل يعود إلى المجتمعات القديمة في شبه الجزيرة الصومالية، وانتشار الإسلام، وقيام السلطنات، ووصول الاستعمار، ثم الخيارات التي اتخذتها النخب بعد الاستقلال.
حصل الصومال على استقلاله عام 1960، وتوحد الإقليم الخاضع للإدارة الإيطالية مع الإقليم الذي حكمته بريطانيا. وحملت الجمهورية الجديدة مشروعاً قومياً واسعاً، لكنها ورثت مؤسسات محدودة، واقتصاداً ضعيفاً، وتفاوتاً إدارياً بين الأقاليم، وحدوداً متنازعاً عليها مع دول الجوار. وبعد ثلاثة عقود، انهارت الدولة المركزية وعجزت مؤسساتها عن احتواء الصراعات التي تراكمت داخل المجتمع والسلطة.
يتألف المجلد من خمسة فصول. يناقش الأول معنى التاريخ وطرائق كتابته، ويعود الثاني إلى تاريخ شبه الجزيرة الصومالية القديم والإسلامي. ويبحث الثالث أثر الطرق الصوفية والاستعمار في إعادة تشكيل المجتمع، فيما يتتبع الرابع صعود القومية الصومالية وتحولاتها. ويقارن الفصل الخامس بين التفسيرات المختلفة لانهيار الدولة قبل أن يقدم المؤلف خلاصته.
يبدأ باديو بمراجعة الطريقة التي كُتب بها تاريخ الصومال، منتقداً الأعمال الاستعمارية وبعض الدراسات التي تأثرت بها، بعدما جعلت العشيرة المفتاح شبه الوحيد لفهم المجتمع. وأنتجت هذه المقاربة صورة تضع القبيلة في مواجهة الدولة، وكأن العلاقة بينهما ثابتة ولا تتغير بتغير السياسة والاقتصاد ومؤسسات الحكم.
ويرى المؤلف أن العشائر الصومالية تأثرت بالاستعمار والتعليم الحديث والأحزاب والحكم العسكري، مثلما أثرت بدورها في هذه التحولات. ولذلك، فإن إخفاق الدولة لا يمكن تفسيره بالقول إن المجتمع عشائري بطبيعته، بل يتطلب فحص نوع المؤسسات التي أنشأتها النخب، وكيف وزعت السلطة والثروة، والطريقة التي وظف بها السياسيون الانتماءات المحلية في الانتخابات والإدارة والصراع.
ويقترح الكتاب نقل النقاش من ثنائية «القبيلة والدولة» إلى العلاقة الأوسع بين «المجتمع والدولة». ويتيح هذا الانتقال إدخال الإسلام والمرأة والقوى الاجتماعية والمدنية إلى السرد التاريخي، بعد أن ظلت أجزاء واسعة من تاريخ الصومال محصورة في أدوار زعماء العشائر ورؤساء الحكومات وقادة الجيوش.
غير أن المجلد الأول يطرح هذه الرؤية إطاراً عاماً أكثر مما يقدم تطبيقاً كاملاً لها، إذ يؤجل البحث المفصل في أدوار النساء والمجتمع المدني والزعماء التقليديين إلى المجلد الثاني. ويستطيع القارئ، نتيجة ذلك، إدراك اتجاه المشروع الفكري، لكنه لا يحصل بعد على الأدلة الكافية لتقييم نجاح المؤلف في تنفيذ جميع جوانبه.
ويعيد الفصل الثاني تاريخ الصومال إلى ما قبل الحدود الاستعمارية، مستنداً إلى الأدلة الأثرية والروايات التاريخية عن صلات سواحل شبه الجزيرة بالتجارة عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي. كما يتناول انتشار الإسلام وقيام السلطنات المسلمة، لإظهار أن المنطقة عرفت أشكالاً من التنظيم السياسي والاجتماعي قبل الاستعمار، وأن حياة سكانها لم تقتصر على الرعي والترحال.
ويعرض الكتاب تاريخ سلطنتي إيفات وعدل في الشمال، وسلطنة أجوران في مناطق من الجنوب والوسط، ويتناول إدارتها للمياه والتجارة والدفاع وعلاقاتها بالقوى المجاورة. ولا يقدم المؤلف هذه التجارب باعتبارها عصوراً مثالية، بل يناقش أيضاً تحوّل بعض السلطات إلى القمع وفرض الضرائب، وما ترتب على ذلك من اضطرابات وتراجع في الرضا الاجتماعي.
ويولي باديو عناية بالتمييز بين الروايات المتداولة والأدلة التاريخية، خصوصاً عند بحث وصول الإسلام إلى الصومال. فهو يعرض روايات تربط البداية بهجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة، ثم يشير إلى غياب دليل قاطع على بعض تفاصيلها، وإلى اختلاف الباحثين بشأن زمن الانتشار الواسع للإسلام.
ويناقش الفصل الثالث أثر الطرق الصوفية بوصفها شبكات للتعليم والتنظيم والعلاقات الاجتماعية، إلى جانب دورها الديني. ويرى المؤلف أنها أقامت روابط تجاوزت بعض حدود الانتماء العشائري، من دون أن تلغي العشيرة أو تحل محلها، ما أنتج مجتمعاً تتعايش داخله انتماءات دينية ومحلية متعددة.
ويدخل الإسلام كذلك في تصور المؤلف لما تحتاجه الدولة من عدالة وقيم تضبط استعمال السلطة. لكن هذا الجانب يفتح نقاشاً بشأن الحدود الفاصلة بين الدور التاريخي للمؤسسات الدينية، ورؤية الكاتب لموقع الإسلام في إصلاح الدولة الحديثة وعلاقته بالقانون والتعدد السياسي.
ثم ينتقل الكتاب إلى الاستعمار بوصفه قوة أعادت تشكيل الأرض والمجتمع والإدارة. فقد توزعت المناطق التي يعيش فيها الصوماليون بين قوى استعمارية ودول مجاورة، واختلفت أساليب الحكم البريطاني والإيطالي والفرنسي. وعندما حان الاستقلال، لم تبدأ النخب بناء الدولة فوق أرض متجانسة سياسياً وإدارياً، بل ورثت مؤسسات أُنشئت لخدمة أغراض استعمارية وواقعاً متفاوتاً بين الأقاليم.
وأعاد التعليم والإدارة الحديثة تشكيل الحركة الاجتماعية، وأساهما في إنتاج نخب اختلفت مراجعها ومصالحها عن قطاعات واسعة من المجتمع. ومع قيام الأحزاب، دخلت الانتماءات العشائرية إلى المنافسة على الوظائف والموارد والتمثيل السياسي، لتتكون صورة حديثة من العشائرية داخل أجهزة الدولة، بدلاً من بقائها امتداداً ثابتاً لتقاليد قديمة.
ويخصص الفصل الرابع لصعود القومية الصومالية وتراجعها. فقد وحد الاستقلال إقليمين فقط، بينما بقيت مناطق يقطنها صوماليون ضمن إثيوبيا وكينيا وجيبوتي. ورمزت النجمة البيضاء في العلم إلى الأقاليم الخمسة، وأصبح مشروع «الصومال الكبير» جزءاً أساسياً من هوية الجمهورية الوليدة.
ويرد باديو جاذبية هذا المشروع إلى التقسيم الاستعماري الذي ترك أسئلة الحدود والانتماء مفتوحة، لكنه يتتبع أيضاً الطريقة التي تحولت بها الوحدة القومية إلى أولوية طغت على بناء المؤسسات. فقد احتاجت الدولة الجديدة إلى إدارة وقضاء وتعليم واقتصاد قادر على تعزيز ثقة المواطنين، بينما استنزف النزاع مع الجوار جانباً كبيراً من مواردها المحدودة.
ولا يعفي المؤلف الحكومات المدنية من مسؤولية الأزمات التي سبقت انقلاب الجيش عام 1969، إذ يتناول الفساد والتنافس الحزبي واستعمال الولاءات العشائرية في الانتخابات. لكنه يرى أن الحكم العسكري عمّق تلك الأزمات بعدما احتكر السلطة وضيّق المجال السياسي وحاول معالجة تناقضات المجتمع بالقسر والدعاية.
ومن مفارقات حكم سياد بري أنه أعلن الحرب على العشائرية، ثم انتهى إلى توظيفها في إدارة السلطة والصراع. وسعى النظام إلى فرض صيغة رسمية للهوية الوطنية، بينما ظلت مصالح السكان وولاءاتهم أكثر تنوعاً من النموذج الذي أراد فرضه بالقوة. وعندما تراجعت الثقة بالقانون، تحولت الروابط المحلية إلى أدوات للحماية والتعبئة في مواجهة الدولة.
وشكلت حرب 1977 و1978 مع إثيوبيا نقطة التحول الكبرى. فقد أدت الهزيمة إلى إضعاف المشروع القومي الذي استند إليه النظام، وأعقبتها محاولات انقلاب واتساع للمعارضة المسلحة وزيادة اعتماد السلطة على الأجهزة الأمنية. ومع انحسار فرص الإصلاح، تحول الصراع على الدولة إلى مواجهة بين جماعات مسلحة حصل بعضها على دعم من الخارج.
ويتوقف الكتاب أمام تجربة المناطق الشمالية، متناولاً سياسة الأرض المحروقة والهجمات التي تعرضت لها هرجيسا وبرعو عام 1988. وتوضح هذه التجربة أن انهيار الدولة لم يكن خسارة متساوية في جميع المناطق، إذ اختبرت بعض المجتمعات سلطة الدولة من خلال القصف والتهجير والقمع قبل أن تشهد انهيار مؤسساتها.
وفي الفصل الأخير، يناقش باديو أثر الحرب الباردة وتراجع المساعدات الخارجية، ومشروع الصومال الكبير، والحرب مع إثيوبيا، وضعف الموارد، والعشائرية السياسية، والفساد والظلم. ويرفض اختزال الانهيار في سبب واحد، لأن الانقسام العشائري وحده لا يفسر استمرار الدولة لعقود، كما أن توقف الدعم الخارجي لا يفسر القمع والتمرد والفساد التي سبقته.
ويقسم المؤلف أسباب الانهيار إلى ثلاثة مستويات: أسباب جذرية تعود إلى التقسيم الاستعماري وضعف التنمية ونقص الكوادر، وأسباب تراكمت بعد الاستقلال تشمل النزاعات الحدودية والعسكرة والفساد والحكم الفردي، ثم عوامل عجّلت بالسقوط، أبرزها هزيمة الحرب مع إثيوبيا وتصاعد الصراع الأهلي وتراجع الدعم الخارجي وتفتت المعارضة إلى فصائل مسلحة.
ويضع الكتاب المسؤولية الرئيسية على النخب الصومالية في الحكم والمعارضة. فقد استخدمت السلطة القمع والمحسوبية واستنزفت مؤسسات الدولة في صراعاتها، فيما أخفقت قوى المعارضة، بعد إضعاف النظام وإسقاطه، في إنتاج اتفاق سياسي يحول دون سقوط الدولة معه.
لكن توزيع المسؤولية بين السلطة وخصومها يظل بحاجة إلى مراعاة الفارق في القوة؛ فالنظام كان يمتلك الجيش وأجهزة الأمن والموارد العامة، ولذلك لا يمكن مساواة مسؤوليته بمسؤولية جميع القوى التي واجهته، حتى مع خضوع خيارات المعارضة وتحالفاتها وأدائها بعد سقوطه للنقد.
وتكمن قيمة الكتاب في أنه يعيد انهيار الدولة الصومالية إلى مسار تاريخي تشابكت فيه الحدود الموروثة، وضعف المؤسسات، والعسكرة، والتدخلات الخارجية، والفساد، وقرارات النخب. كما يرفض تحويل المجتمع الصومالي إلى ضحية سلبية للتاريخ، ويضع خيارات الفاعلين المحليين في صلب تفسير الصعود والانهيار.
وينتهي المجلد عند عام 1991، لكن المؤلف لا يقدم ذلك العام نهاية لتاريخ الصوماليين، بل فاصلاً بين مرحلتين، خصص للثانية مجلداً آخر. ويبقى فضل هذا الجزء أنه يوضح أن تاريخ المجتمع لم يبدأ مع قيام الدولة، وأن سقوط السلطة المركزية لم ينهِ القوى الاجتماعية التي واصلت العمل خارج مؤسساتها.
وبعد قراءة الكتاب، يصعب قبول تفسير يقول إن الصومال انهار بسبب القبيلة وحدها، أو الاستعمار، أو الحرب مع إثيوبيا. فكل تفسير يمسك بجزء من الصورة، بينما يعيد باديو جمع هذه الأجزاء داخل تجربة دولة امتلكت مشروعاً قومياً واسعاً، لكنها لم تبنِ المؤسسات القادرة على حمله وحمايته من صراعات السلطة.
الهوامش
عبد الرحمن معلم عبد الله «باديو»، تاريخ الصومال: رؤية تحليلية جديدة، المجلد الأول، ترجمة حمزة عامر، الطبعة العربية الأولى، إسطنبول، 2019، ص 16–38.