حين يتأمل المرء محطات التاريخ اليمني الحديث، يدرك أن الحرية لم تكن قط هبةً مجانية، ولا منحة تُهدى على طبق من تراميز السياسة، بل هي صياغة مضنية بالدم والوعي والعرق. من هنا تنطلق الذاكرة الوطنية لتستحضر واحدة من أخلد الملاحم وأقساها: حصار السبعين يوماً (1968م)، حيث وقف أبناء اليمن وجهاً لوجه أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما العودة إلى غياهب العصور الإمامية المظلمة، أو البقاء تحت سماء "الجمهورية" ولو كلفهم ذلك أرواحهم.
اليوم، حين يعود هذا الشعار الخالد يتردد في وجدان الأحرار، فإنه لا يمثل مجرد حنين لذكرى عابرة، بل يبرز كإعلان وجودي متجدد يعيد تذكير العالم بأن اليمنيين الذين كسروا الطوق عن عاصمتهم بالأمس، قادرون على صياغة شمس ضحاهم بأيديهم مهما اشتدت عتمة التمرد والكهنوت.
حين أكل الجائعون صخر الصمود
لنفهم عمق الشعار «جمهورية سبتمبر أو الموت»، يجب أن نعود بالذاكرة إلى شتاء عام 1967 وبداية عام 1968م. حينها، أُغلقت المنافذ، وطوقت القوات الملكية والفلول الإمامية العاصمة صنعاء من كل الجهات، مدعومة بتحالفات واسعة استهدفت وأد الوليد الجمهوري الفتي بعد انسحاب القوات المصرية.
كانت المؤشرات العسكرية توحي بسقوط الوشيك للعاصمة؛ فجفّت المؤونة، ونفذت الذخيرة، وتحسس الرقاب كان ديدن تلك اللحظات القاسية. لكن العزيمة اليمنية كانت صلبة كجبال عيبان والطويل. تلاحم الحرفي والتموين، التحم الشاب والشيخ، وخرجت النساء لمد خطوط الإمداد ونقل الذخائر وإسعاف الجرحى. لم يرفع الأحرار الراية البيضاء، بل علت حنجرة المدينة وصحراؤها وجبالها بصرخة واحدة: «الجمهورية أو الموت». وانتهت المعركة بفك الحصار في فبراير 1968، لتسقط أسطورة الإمامة وتعتراف بها القوى الدولية والإقليمية لاحقاً.
امتداد المعركة وتجدد الشعار
وفي قراءة تحليلية للمشهد اليمني المعاصر، يؤكد باحثون ومؤرخون أن استدعاء شعار "حصار السبعين" ليس استدعاءً عاطفياً، بل هو ضرورة حتمية تفرضها طبيعة المعركة الوجودية التي يخوضها اليمنيون اليوم ضد مخلفات الإمامة والكهنوت الحوثي.
الوعي الجمعي كدرع: يرى الباحث في التاريخ السياسي أحمد عبدالوهاب أن الإمامة بطبيعتها لا تستطيع العيش في نور النظام الجمهوري والمواطنة المتساوية، ولذلك فإن محاولات إعادة عقارب الساعة إلى الوراء تصطدم دائماً بصخرة الوعي الجمهوري الممتد من أجداد السبعين إلى أحفاد اليوم.
صناعة النور بالإرادة: البيت الشعري الذي يفتح هذا التحقيق (يوماً من الدهر لم تصنع أشعته شمس الضحى.. بل صنعناه بأيدينا) يلخص فلسفة الثورة؛ فالتغيير الجذري والتحرر الحقيقي لا يأتيان بانتظار الظروف، بل بانتزاعها بالإرادة الصلبة والعمل الجماعي الواعي.
الخاتمة:
إن ملحمة السبعين علّمت اليمنيين أن النصر الحقيقي يُصنع في اللحظات التي يظن فيها العدو أن النهاية قد حانت. وحين يرفع الأحرار شعار «جمهورية سبتمبر أو الموت» اليوم، فإنهم يبعثون برسالة قاطعة مفادها أن التراجع خيانة، وأن دماء الشهداء الذين أرسوا مداميك الدولة وبنوا أسوار الحرية لا يمكن أن تذهب سدى.