أعلن مجلس القيادة الرئاسي التعبئة العامة لتحرير البلاد من مليشيا الحوثي واستعادة الدولة، لكن هذا الإعلان لا يفتح معركة عسكرية فحسب، لكنه يضع القيادة نفسها أمام اختبار سياسي وأخلاقي لا يمكن تأجيله: إذا كان المطلوب من اليمنيين أن يقدموا مزيدًا من التضحيات بأرواحهم وأعمارهم، فأين القيادة التي تطلب منهم ذلك؟ وأي دولة يُطلب من اليمنيين أن يقاتلوا من أجلها إذا كانت قيادتها بعيدة عنهم، غائبة عن أوجاعهم، ولا تشاركهم كلفة الحرب التي تطالبهم بخوضها؟
قبل أن يُطلب من المواطن أن يذهب إلى الجبهة، ينبغي أن يرى قيادته في الداخل. وقبل أن يُطلب من الجندي أن يواجه الموت دفاعًا عن الدولة، من حقه أن يشعر بأن الدولة حاضرة معه، وأن من يتخذ القرار ويتحدث باسم الشرعية يشاركه الخطر والمسؤولية.
أما أن تبقى القيادة خارج البلاد ثم تطلب من اليمنيين النفير، فهذه معادلة يصعب أن تبني ثقة وطنية حقيقية.
لقد طال غياب الشرعية عن الداخل حتى لم يعد، في نظر كثير من اليمنيين، مجرد ظرف أمني فرضته الحرب، بل أصبح جزءًا من أزمة الدولة نفسها. المواطن يواجه الغلاء وانهيار الخدمات، والجندي يقف في الجبهة، والأسرة تواجه المرض والفقر والنزوح، بينما تبدو القيادة بعيدة عن تفاصيل الحياة اليومية لمن تقول إنها تمثله.
ولا يعني ذلك تجاهل المخاطر الأمنية والسياسية التي قد تجعل العودة معقدة، لكن لا ينبغي أن يتحول التعقيد إلى غياب دائم. فإذا كانت الشرعية جادة في استعادة الدولة، فعليها أن تستعيد أولًا حضورها في الداخل، وأن تجعل عودتها جزءًا من مشروعها السياسي، لا ملفًا مؤجلًا إلى أجل غير معلوم.
فالقيادة في زمن الحرب ليست بيانات وخطابات تدعو الناس إلى الصبر والتضحية. القيادة هي أن تكون قريبة من الناس حين تضيق بهم الحياة، وأن تتحمل معهم كلفة القرارات، وأن يرى الجندي والمواطن أن من يطلب منه الصمود يقف إلى جواره، لا بعيدًا عنه.
وهنا تأتي قصة ياسين، لا كحكاية عاطفية منفصلة عن السياسة، وإنما كاختبار بالغ القسوة لمعنى الدولة ومسؤولية من يقول إنه يمثلها.
يكسر الظهر ويهدّ الحيل أن ترى طفلًا يمنيًا اسمه ياسين، عمره اثنا عشر عامًا، في شوارع مصر، بينما كان يفترض أن يكون في بلده، يلعب مع أقرانه ويعيش طفولته مثل بقية الأطفال. أمه متوفاة، وأبوه طريح الفراش، بين الحياة والموت، ويحتاج إلى عملية قلب مفتوح عاجلة. والطفل يخرج إلى الشوارع بحثًا عن أي عمل يوفر به ثمن الدواء ولقمة العيش، حتى انتهى به الحال إلى النوم على الرصيف.
وحين سُئل عما يتمناه، لم يطلب لعبة ولا مالًا ولا شيئًا لنفسه. بكى وقال: «نفسي أبي يشفى».
هنا ينبغي أن تتوقف القيادة قليلًا أمام هذه الجملة.
فالمسألة ليست أن الدولة مطالبة بأن تدفع ثمن كل مرض يصيب كل مواطن في العالم، ولا أن حالة ياسين يمكن نسبتها سببيًا إلى قرار اتخذته القيادة. لكن المسؤولية السياسية للشرعية أوسع من المسؤولية المباشرة عن كل واقعة: إنها مسؤولية المشروع الذي تقول إنها تمثله، ومسؤولية بناء دولة تجعل المواطن أقل عرضة لأن يسقط وحيدًا أمام المرض والفقر والتشرد.
ياسين، بهذا المعنى، ليس اتهامًا شخصيًا لأحد، لكنه سؤال مباشر للقيادة: ماذا تعني الدولة التي تطلبون من اليمنيين أن يموتوا دفاعًا عنها إذا كان طفل يمني في الثانية عشرة يستطيع أن يصل إلى الرصيف قبل أن تصل إليه مؤسساتها؟
هذه هي الدلالة السياسية الأعمق في قصة الطفل. فالدولة تُختبر في لحظة ضعف مواطنها، لا في لحظة قوته. وتُقاس شرعيتها بقدرتها على حماية الإنسان عندما يفقد كل شيء، لا بقدرتها فقط على إصدار البيانات عندما تشتد المعركة.
والأخطر أن ياسين يمثل جيلًا كاملًا يدفع ثمن حرب لم يخترها. طفل فقد أمه، وأبوه يصارع الموت، وهو مضطر لأن يتحول إلى معيل قبل أن يتعلم حتى كيف يعيش طفولته. هذه ليست فقط مأساة أسرة؛ إنها صورة لما تفعله الدولة المنهكة حين تتراجع شبكات الحماية الاجتماعية، وتتشتت المؤسسات، ويصبح المواطن مضطرًا إلى تدبير مصيره بنفسه.
وهنا تتقاطع قصة ياسين مباشرة مع دعوة التعبئة. فحين تقول القيادة لليمني: تعال قاتل من أجل استعادة الدولة، فإن المواطن يستطيع أن يسألها: أي دولة؟ دولة تستعيد الأرض فقط، أم دولة تستعيد الإنسان أيضًا؟
إن استعادة صنعاء ليست الغاية النهائية من الدولة، وإنما وسيلة لاستعادة حياة اليمنيين وكرامتهم وأمنهم. وإذا تحولت استعادة الدولة إلى مجرد استعادة للسلطة والجغرافيا، وبقي المواطن يواجه المرض والفقر والغربة وحده، فإن السؤال عن معنى هذه الاستعادة سيظل قائمًا.
ومن هنا تصبح عودة القيادة إلى الداخل قضية سياسية تتجاوز المكان. فالقيادة التي تريد من اليمني أن يخاطر بحياته من أجل الدولة يجب أن تكون قريبة من المواطن الذي يفترض أن تحميه هذه الدولة.
لا يكفي أن تقول إنها تمثل اليمن؛ عليها أن تكون موجودة فيه، وأن ترى نتائج الحرب بعينيها، وأن تسمع الناس مباشرة، وأن تتحمل مسؤولية ما تستطيع إصلاحه وما تعجز عنه.
وإذا كانت هناك مخاطر أمنية تجعل العودة معقدة، فهذا مفهوم ويجب أخذه في الاعتبار، لكن المطلوب هو إرادة سياسية واضحة لإنهاء حالة الغياب، لا تحويلها إلى نمط حكم دائم. فالقيادة لا تستطيع أن تطلب تعبئة المجتمع بينما تبقى هي خارج المشهد الوطني الذي تريد تعبئته.
ولهذا فإن قصة ياسين يجب ألا تنتهي عند التعاطف. يجب أن تتحول إلى سؤال سياسي دائم أمام القيادة: ماذا تفعلون كي لا يصبح طفل آخر مثل ياسين؟ ماذا تفعلون كي يجد المريض مؤسسة تقف إلى جانبه؟ وماذا تفعلون كي لا تضطر الأسر اليمنية إلى حمل الدولة على أكتاف أطفالها؟
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن ننتظر الإجابات السياسية كي ننقذ الطفل.
يا أهل اليمن، ويا رجال الأعمال وأهل الخير، لا تتركوا ياسين وأباه وحدهما. تحققوا من تفاصيل حالته، وساعدوا في إيصال صوته إلى طبيب قلب أو مستشفى أو جهة خيرية أو متكفل قادر على إنقاذ أبيه. ومن يستطيع الوصول إلى صفحة أسامة الحداد أو إلى الأسرة، فليساعد في إيصال النداء إلى من يستطيع التدخل. مشاركة واحدة قد تصل بهذه الأسرة إلى من ينقذها.
لقد تحمل اليمنيون ما يفوق طاقتهم. قاتلوا، ونزحوا، وفقدوا أحباءهم، وتحملوا الفقر والخوف والمرض والغربة. وإذا كانت القيادة تريد منهم اليوم موجة جديدة من التضحية، فعليها أن تقدم في المقابل شيئًا جوهريًا: حضور الدولة وحضور القيادة.
لذلك فإن عودة القيادة إلى اليمن ليست تفصيلًا بروتوكوليًا، بل جزء من اختبار المصداقية. عودوا إلى حيث يوجد الشعب والجندي والمريض والنازح، واجعلوا مركز القرار قريبًا من الأرض التي تريدون استعادتها.
لا يكفي أن تطلبوا من اليمني أن يقاتل من أجل الدولة؛ عليكم أن تثبتوا أن الدولة تقاتل من أجله أيضًا. وياسين هو السؤال الأكثر قسوة أمامكم: طفل لم يطلب من الدولة راتبًا ولا منصبًا ولا امتيازًا، بل كان حلمه الوحيد أن يعيش أبوه. فإذا كانت القيادة لا تريد أن ترى في هذه القصة مجرد مأساة إنسانية، فعليها أن تراها كما ينبغي أن تُرى سياسيًا: إنذارًا بأن استعادة الدولة لا تكتمل باستعادة الأرض، وأن شرعية القيادة لا تُقاس فقط بقدرتها على طلب التضحية، بل بقدرتها على حماية الإنسان الذي يُطلب منه أن يضحي.
عودوا إلى اليمن؛ فالقيادة التي تطلب من شعبها أن يستعيد وطنه لا يجوز أن تبقى بعيدة عنه.
وبالمختصر، لا تستقيم دعوة إلى التضحية من دون أن تقابلها مسؤولية، ولا تُبنى الثقة بين القيادة والشعب بالخطب والبيانات، إنما بالحضور والمشاركة وتحمل الأعباء. فقبل أن يُطلب من المواطن أن يذهب إلى الجبهة، ينبغي أن يرى قيادته في الداخل. وقبل أن يُطلب من الجندي أن يواجه الموت دفاعًا عن الدولة، من حقه أن يشعر بأن الدولة حاضرة معه، وأن من يتخذ القرار ويتحدث باسم الشرعية يشاركه الخطر والمسؤولية.