لم تعد الضربات المتتالية التي تتلقاها عصابة الحوثي تبدو، وفق قراءة عدد من المحللين العسكريين والمراقبين، مجرد خسائر ميدانية متفرقة، بل بات نمط الاستهداف نفسه يثير تساؤلات بشأن قدرة خصومها " القوات الحكومية" على الوصول إلى معلومات دقيقة عن قياداتها وتحركاتها.
فقيادات تسقط، وبدائلها تدخل سريعاً في دائرة الاستهداف، ومركبات تتحرك بعيداً عن خطوط المواجهة فتُلاحق، ومنصات صواريخ وطائرات مسيّرة يجري الوصول إليها في مواقع متباعدة.
ويرى محللون أن تكرار هذه الأنماط، قد يشير إلى تطور في قدرات جمع المعلومات وتتبع الأهداف، بما يجعل المعركة تتجاوز الاشتباك المباشر إلى استهداف منظومة القيادة والسيطرة نفسها.
وتتحدث المعطيات المتداولة عن مقتل 17 قيادياً حوثياً بارزاً خلال سبتمبر، بينهم شخصيات توصف بأنها من العناصر المؤثرة في إدارة العمليات.
ويقول مراقبون إن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في عدد القتلى وحده، وإنما في طبيعة المواقع التي شغلوها وتسلسل عمليات الاستهداف.
واشاروا الى أن الوصول المتكرر إلى مستويات قيادية متقدمة، بحسب هذه القراءة، قد يعني أن معلومات الاستهداف لا تقتصر على مواقع ثابتة، وإنما تشمل هويات القيادات ومسارات تحركها ومواقع وجودها.
ويرى محللون عسكريون أن المؤشر الأكثر إثارة يتمثل في الحديث عن استهداف البدائل بعد مقتل القيادات الميدانية البارزة.
ففي إحدى الحالات التي تبرز هذا الاستهداف مقُتل قائد لإحدى التشكيلات التي تعد بالنسبة للعصابة ابرز قوات النخبة الحوثية، تحت مسمى " كتائب الموت" المدعو «القفر» بصاروخ حراري، ثم استُهدف بديله بغارة جوية بعد نحو 24 ساعة، قبل أن يُتعقب بديل ثالث وتُستهدف مركبته بطائرة مسيّرة على مسافة نحو ستة كيلومترات من منطقة المواجهات.
ويقول مراقبون إن هذه الاستهداف المتسلسل يحمل دلالة خاصة، لأنها تعني أن الاستهداف لم يعد مرتبطاً بهدف محدد مسبقاً، وإنما قد يمتد إلى ملاحقة الشخص الذي يتولى المهمة بعد تغيير القيادة.
وفي الوقت نفسه، تشير المعطيات المتداولة إلى استهداف منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة ومركبات عسكرية في مناطق متفرقة، بينها الحوبان وإب وصعدة والبيضاء.
ويعتبر محللون أن تزامن استهداف القيادات مع ضرب وسائل الحركة ومنصات السلاح يمثل نمطاً يستحق التوقف عنده؛ إذ إن تعطيل القيادة من جهة، وتقليص أدوات تنفيذ الأوامر من جهة أخرى، يمكن أن يضغط على قدرة الوحدات الميدانية على المناورة وإعادة الانتشار وإخفاء قدراتها النارية.
ويذهب مراقبون إلى أن سرعة الوصول إلى القيادات البديلة، تكون أكثر أهمية من مقتل القيادات الأصلية نفسها. فالقيادي الجديد يحتاج إلى إعادة بناء شبكة اتصالاته وحركته وتأمين موقعه قبل أن يصبح مستقراً في منصبه، وأي وصول سريع إليه قد يعني أن شبكة الرصد قادرة على التقاط التغييرات داخل الهيكل القيادي ومتابعة انتقال المسؤوليات من شخص إلى آخر.
وبحسب هذه القراءة، فإن تتابع العمليات يرسم سلسلة مترابطة تبدأ بتحديد القيادات، ثم تعقب البدائل، وملاحقة وسائل الحركة، واستهداف منصات السلاح، وصولاً إلى الضغط على القيادة والسيطرة والقدرة القتالية.
ويؤكد محللون عسكريون أن مثل هذا النمط لا يكفي وحده لإثبات وجود اختراق استخباراتي داخلي، لكنه يصبح مؤشراً أكثر أهمية إذا تكرر بصورة منتظمة .
وتأتي هذه القراءة في وقت تناولت فيه تحليلات حديثة مسألة الحرب الاستخباراتية ضد الحوثيين، وربطت بين تراجع قدرة الجماعة على حماية مستويات القيادة وبين تطور عمليات جمع المعلومات والاستهداف.
ووفق مراقبين، لم يعد الموضوع متعلقاً فقط بحجم الخسائر التي تتكبدها عصابة الحوثي، وإنما بمدى قدرتها على حماية منظومة القيادة والتحرك وإعادة تشكيل وحداتها بعيداً عن الرصد.
فإذا ثبت تكرار هذا النمط، فقد تتحول المعركة من استهداف مواقع وأفراد إلى صراع استخباراتي على المعلومات نفسها: من يعرف أين يوجد القيادي، ومن يعرف متى يتحرك، ومن يستطيع تحويل هذه المعلومة إلى ضربة قبل أن تتغير المعادلة على الأرض.