أخبار محلية

وزير الصحة: ثورة 26 سبتمبر دشنت مسار بناء الدولة الصحية.. والحرب والانقسام أضعفا المنظومة الصحية اليمنية

عدن الغد- محليات 28/09/2026 12:48 366 مشاهدة
وزير الصحة: ثورة 26 سبتمبر دشنت مسار بناء الدولة الصحية.. والحرب والانقسام أضعفا المنظومة الصحية اليمنية

أكد وزير الصحة العامة والسكان الدكتور قاسم محمد بحيبح أن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 مثلت نقطة تحول تاريخية في مسيرة بناء القطاع الصحي اليمني بعد أن كان هذا القطاع يعاني ندرة شديدة في المنشآت والكوادر والخدمات... مشيرًا إلى أن الجمهورية دشنت منذ قيامها مسارًا تدريجيًا لبناء المؤسسات الصحية والتوسع في تقديم الخدمات الطبية والوقائية والوصول بها إلى المناطق الريفية.

وقال الوزير في تصريح لوكالة الأنباء اليمنية سبأ بمناسبة احتفالات الثورة اليمنية ٢٦ سبتمبر إن قراءة واقع القطاع الصحي اليمني اليوم تقتضي العودة إلى جذوره التاريخية وعدم فصل ما تحقق خلال العقود الماضية عن الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي مر بها اليمن وصولًا إلى الحرب التي اندلعت خلال العقد الأخير وما خلفته من أضرار مباشرة وغير مباشرة على النظام الصحي.

واقع صحي محدود قبل الثورة

..............

وأوضح بحيبح أن القطاع الصحي في شمال اليمن قبل ثورة 26 سبتمبر كان محدود الإمكانات بصورة كبيرة وكانت الخدمات الطبية تتركز في عدد قليل من المدن مع ندرة المنشآت الصحية والكوادر الطبية المؤهلة وضعف أو انعدام الخدمات الصحية المنظمة في كثير من المناطق الريفية.

وتؤكد مصادر تاريخية وطبية مستقلة أن الخدمات الصحية في اليمن قبل عام 1970 كانت متاحة بصورة أساسية في عدد محدود من المدن وكانت تغطي نسبة محدودة من السكان فيما بدأت بعد ثورة 1962 جهود إنشاء خدمات صحية ريفية ومراكز تهتم بالجوانب العلاجية والوقائية ولا سيما صحة الأم والطفل.

وأشار الوزير إلى أن هذا الواقع جعل بناء قطاع صحي وطني أحد الاحتياجات الأساسية للجمهورية باعتبار الصحة أحد المكونات الرئيسية لبناء الإنسان وتحسين مستوى المعيشة والتنمية.

الثورة.. بداية بناء المؤسسات الصحية

..............

وقال بحيبح إن ثورة 26 سبتمبر لم تكن مجرد تحول سياسي وإنما دشنت في إطار بناء الجمهورية مسارًا لتطوير قطاعات التعليم والصحة والخدمات العامة وهو ما انعكس تدريجيًا على إنشاء المستشفيات والمراكز الصحية وتطوير الكوادر الطبية والتمريضية وفتح المجال أمام التعليم والتأهيل الصحي.

وتشير وثائق تاريخية إلى أن السنوات الأولى التي أعقبت الثورة شهدت توسعًا في إنشاء المستشفيات والعيادات والمرافق الصحية فيما تظهر سجلات منظمة الصحة العالمية في تلك المرحلة تطورًا في أعداد الأطباء والمؤسسات التعليمية الصحية. ففي وثيقة لمنظمة الصحة العالمية تعود إلى تلك المرحلة أُشير إلى ارتفاع عدد الأطباء في اليمن إلى 337 طبيبًا بعد أن كان الوضع السابق يعاني نقصًا شديدًا في الكوادر الطبية مع إنشاء مؤسسات تعليمية وإرسال طلاب للتخصص في الخارج.

وأضاف الوزير أن مسار التطوير الصحي لم يتوقف عند بناء المستشفيات بل اتجه لاحقًا إلى تعزيز الرعاية الصحية الأولية والوقاية من الأمراض وبرامج التحصين وصحة الأم والطفل وتوسيع الخدمات خارج المدن بما يتناسب مع الطبيعة السكانية والجغرافية لليمن.

وتشير الأدبيات الصحية المتعلقة باليمن إلى أن البلاد شهدت تحولًا تدريجيًا من نموذج يتركز على المستشفيات والعلاج إلى إعطاء أهمية أكبر للرعاية الصحية الأولية خصوصًا بعد إعلان ألما-آتا عام 1978، مع التوسع في إنشاء الخدمات الصحية الريفية.

تراكم مؤسسي وصولًا إلى منظومة صحية وطنية

...............

وأكد بحيبح أن القطاع الصحي اليمني رغم التحديات التي رافقت مراحل تطوره شهد خلال العقود التالية توسعًا في البنية التحتية والمؤسسات التعليمية والتخصصات الطبية والمراكز الصحية والبرامج الوقائية حتى أصبح هناك نظام صحي متعدد المستويات يضم الرعاية الأولية والثانوية والثالثية ومراكز تخصصية وبرامج وطنية لمكافحة الأمراض والتحصين والتغذية.

وتشير مراجعة للبنك الدولي إلى أن النظام الصحي اليمني قبل الحرب كان منظمًا على مستويات الرعاية الأولية والثانوية والثالثية إلى جانب برامج وطنية للوقاية من الأمراض ومكافحتها ومنها التحصين ومكافحة الملاريا والتغذية مع وجود مرافق تابعة لوزارة الصحة إلى جانب مرافق تقدم خدمات علاجية من جهات أخرى والقطاع الخاص.

وقال الوزير إن هذا التراكم يمثل جزءًا من المسيرة الوطنية لبناء القطاع الصحي وإن تقييمه ينبغي أن يتم في سياقه التاريخي مع الاعتراف في الوقت ذاته بأن المنظومة الصحية كانت تعاني قبل الحرب من اختلالات ونواقص وأن الاعتماد على التمويل الخارجي والدعم الدولي كان أحد سماتها الأساسية.

الحرب.. استنزاف البنية الصحية والموارد

..................

وانتقل بحيبح إلى الحديث عن مرحلة الحرب مؤكدًا أن القطاع الصحي كان من أكثر القطاعات تأثرًا بالصراع وأن الأضرار لم تقتصر على المنشآت التي تعرضت للدمار أو الضرر المباشر وإنما امتدت إلى الموارد البشرية وسلاسل الإمداد الدوائي والطاقة والتمويل وقدرة المؤسسات على إدارة الخدمات.

وقال إن استمرار الحرب أدى إلى استنزاف القدرات الصحية وزيادة الضغط على المستشفيات والمراكز الصحية وتراجع قدرة كثير من المرافق على تقديم الخدمات بصورة طبيعية فضلًا عن ارتفاع الاحتياجات الناجمة عن الإصابات والأمراض وسوء التغذية والنزوح وتفشي الأوبئة.

وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن 46 بالمائة من المرافق الصحية في اليمن كانت تعمل بصورة جزئية أو خارج الخدمة نتيجة مجموعة من العوامل شملت نقص الموظفين والتمويل والكهرباء والأدوية والمعدات.

كما قدر البنك الدولي أن نحو 38 بالمائة من المرافق الصحية تعرضت للضرر أو التدمير وفق تقييم الاحتياجات الديناميكي مع تأثر تقديم الخدمات بصورة أكبر بسبب نقص الوقود والكهرباء والمياه والتمويل التشغيلي.

الحوثيون والحرب.. تفكيك المنظومة الصحية

.....................

وأوضح وزير الصحة أن سيطرة ميليشيا الحوثي على مؤسسات الدولة في صنعاء وأجزاء واسعة من البلاد وما رافق ذلك من الحرب والانقسام المؤسسي أسهما في إضعاف منظومة الإدارة الصحية الوطنية وتعقيد عملية تقديم الخدمات الصحية بصورة متكاملة.

وأوضح أن الضرر الذي لحق بالقطاع الصحي لا يمكن قياسه فقط بعدد المنشآت المتضررة وإنما كذلك بما أصاب مؤسسات الدولة الصحية من انقسام وما ترتب على ذلك من صعوبات في إدارة الموارد البشرية والتمويل والإمداد والتخطيط والبيانات والتنسيق الوطني.

مما ادى إلى تفاقم ضعف حوكمة القطاع الصحي إلى جانب نقص الموارد البشرية والتجهيزات والإمدادات وتأثر بصورة عميقة بالصراع والأزمة الاقتصادية وتفشي الأمراض.

واقع مختلف.. وتحديات مشتركة

..............

وفي معرض حديثه عن المقارنة بين المناطق الخاضعة للحكومة والمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين قال بحيبح إن المقارنة ينبغي ألا تقتصر على عدد المستشفيات أو المراكز الصحية وإنما تشمل طبيعة الإدارة الصحية والتمويل والكوادر والإمداد الدوائي ومستوى الجاهزية واستمرارية الخدمات وقدرة المؤسسات على التخطيط والاستجابة للطوارئ.

وأشار إلى أن المناطق المحررة تواصل العمل من خلال مؤسسات وزارة الصحة والسلطات الصحية المحلية وتسعى إلى إعادة تأهيل المرافق وتحسين الخدمات وتعزيز الرعاية الصحية الأولية والطوارئ والإمداد الدوائي مستفيدة من دعم الحكومة والشركاء والمنظمات الدولية.

وأضاف أن هذه المناطق تواجه في الوقت ذاته تحديات كبيرة أبرزها محدودية الموارد والاحتياجات المتزايدة والضغط على المرافق الصحية ونقص بعض الكوادر والتجهيزات والحاجة إلى تطوير البنية التحتية والخدمات التخصصية.

وفي المقابل هناك في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين تعمل ضمن واقع مؤسسي مختلف نتيجة الانقسام الإداري والسياسي الأمر الذي انعكس على وحدة النظام الصحي الوطني وعلى آليات التخطيط والتمويل والإدارة وتقديم الخدمات.

وفي المحصلة النهائية فإن المواطن اليمني في جميع المناطق هو المتضرر الأول من استمرار الحرب والانقسام وأن الحاجة إلى الخدمات الصحية لا تتوقف عند حدود سياسية أو جغرافية.

مؤكدًا أن الهدف النهائي يجب أن يكون استعادة منظومة صحية وطنية قادرة على تقديم خدمات عادلة وآمنة ومستدامة لجميع اليمنيين.

مؤشرات تكشف حجم الفجوة

.............

وقال بحيبح إن الأرقام المتاحة تعكس حجم التحدي الذي يواجه القطاع الصحي اليمني فالتقييمات تشير إلى أن نحو نصف المرافق الصحية فقط كانت تعمل بصورة كاملة خلال سنوات الحرب فيما واجهت بقية المرافق مشكلات في الكوادر والمستلزمات والتمويل في الخدمات الأساسية

وفي أحدث تقييم شامل لمنظومة المرافق ضمن برنامج HeRAMS، أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن عملية الرصد شملت أكثر من 5300 مرفق صحي بهدف تحديد مستوى التشغيل والموارد والخدمات المتاحة وتحديد فجوات التدخل و الأولويات.

وأشار الوزير أن هذه المؤشرات تؤكد أن إعادة بناء القطاع الصحي لا يمكن أن تكون مهمة قصيرة الأجل وإنما تحتاج إلى استثمار مستدام في البنية التحتية والكوادر والتجهيزات والتمويل والحوكمة ونظم المعلومات والإمداد الدوائي.

استعادة الدولة الصحية

..................

ولفت بحيبح أن استعادة عافية القطاع الصحي تبدأ من استعادة قدرة مؤسسات الدولة على التخطيط والإدارة والتنظيم والرقابة مع مواصلة الشراكة مع المانحين والمنظمات الدولية وتوجيه الدعم نحو بناء نظام صحي مستدام بدل الاكتفاء بالتدخلات الطارئة.

وقال إن وزارة الصحة تعمل على تعزيز الرعاية الصحية الأولية وتحسين خدمات الطوارئ وتطوير نظم المعلومات الصحية ودعم الإمداد الدوائي ورفع جودة الخدمات وتطوير الموارد البشرية وتعزيز قدرات المرافق الصحية إلى جانب العمل مع الشركاء لتوجيه التدخلات وفق الأولويات الوطنية.

وأشار إلى أن الدعم الدولي أسهم خلال سنوات الحرب في إبقاء جزء كبير من الخدمات الصحية قائمًا.

لافتًا إلى أن مشاريع مدعومة من البنك الدولي على سبيل المثال تمكنت خلال الفترة 2021–2023 من دعم خدمات صحية وتغذوية لأكثر من 11 مليون شخص وتوسيع الوصول إلى الرعاية الأولية في أكثر من 2200 مرفق فضلًا عن دعم المستشفيات والكوادر الصحية.

الصحة.. مرآة لمسيرة الدولة

...............

وخلص وزير الصحة العامة والسكان إلى أن تاريخ القطاع الصحي اليمني يعكس بصورة واضحة مسيرة الدولة اليمنية نفسها فمن قطاع محدود الخدمات والموارد قبل الثورة إلى مرحلة بناء وتوسع مؤسسي ثم إلى منظومة وطنية واجهت تحديات متراكمة قبل أن تتعرض خلال سنوات الحرب لأضرار واسعة وانقسام مؤسسي وضغوط مالية وتشغيلية غير مسبوقة..وعليه فإن استعادة القطاع الصحي ليست مجرد إعادة بناء جدران المستشفيات أو توفير الأدوية والمعدات وإنما إعادة بناء منظومة وطنية متكاملة قادرة على حماية صحة الإنسان اليمني وتوفير الخدمة في الوقت والمكان المناسبين وإدارة الأزمات والطوارئ وضمان استدامة الرعاية الصحية.

وقال بحيبح إن الوزارة تنظر إلى المرحلة المقبلة باعتبارها مرحلة انتقال من إدارة آثار الأزمة إلى بناء القدرة على التعافي من خلال تعزيز المؤسسات الصحية وتطوير الكوادر وتحسين جودة الخدمات وتوسيع الرعاية الصحية الأولية واستعادة قدرة النظام الصحي على الصمود أمام الأزمات.

ودعا إلى أن صحة اليمنيين يجب أن تبقى قضية وطنية جامعة وأن تجاوز آثار الحرب والانقسام يتطلب توحيد الجهود والموارد حول هدف واضح يتمثل في بناء نظام صحي وطني حديث ومستدام يخدم جميع اليمنيين دون تمييز.