في معايير الحروب الطويلة، لا تُقاس المعارك وحدها بارتفاع ألسنة اللهب، بل بما تتركه خلفها من فراغ استراتيجي وصمت مطبق. وحين ترسم طائرات التحالف وقوات الشرعية خطوطها بالنار في سماء اليمن، فإنها لا تستهدف مجرد أحجار ومخابئ، بل تحفر في عمق البنية العسكرية والنفسية لمليشيا الاحتلال الإيراني.
إن استمرار هذا النسق القتالي العنيف ينذر بانهيار تدريجي لأعصاب الآلة العسكرية؛ فالمعسكرات تتلاشى، ومراكز الحشد تحترق قبل أن تكتمل، وشرايين التموين تتقطع قطعة إثر أخرى، ليجد المقاتل نفسه معزولاً في خطوط النار بلا غطاء ولا إمداد.
في هذا التقرير الاستطلاعي، نحاول تتبع أثر هذه الضربات على الواقع الميداني والنفسي لمن وصفهم المراقبون بـ "المنزفين في الجبهات المتساقطة".
تآكل القدرات العسكرية.. البنية التحتية تحت مقصلة النيران
يمثل الأسبوعان القادمان -بحسب القراءات العسكرية الميدانية- حداً فاصلاً في عمر القدرات الهجومية للمليشيا. فالقصف المتواصل والمركز استطاع تفكيك ركائز أساسية لطالما اعتمدت عليها مليشيا الاحتلال الإيراني في إدارتها للعمليات:
تبخر المعسكرات ومراكز الحشد:
تحولت الثكنات الكبرى ومراكز التجمع البشري إلى ركام، مما حرم المليشيا من القدرة على تجميع المقاتلين أو إنشاء قواعد خلفية آمنة.
شلل خطوط التموين:
أدى الاستهداف المستمر لشبكات الإمداد واللوجستيات إلى انقطاع المؤن والذخائر عن الخطوط الأمامية، مما جعل كل مقاتل يعتمد على ما يحمله في جعبته فقط.
تقويض القوة الصاروخية:
تدمير العدد الأكبر من منصات إطلاق الصواريخ والمسيّرات أضعف بشكل ملحوظ قدرة الجماعة على الردع الاستراتيجي أو شن هجمات مضادة بعيدة المدى.
عزلة المقاتل الامامي:
بانقطاع حلقة الوصل، لم يعد في الجبهات سوى من وصلوا مسبقاً، محاصرين بين نيران القصف وجحيم الجبهات المنهارة.
"الغارات وحدها -مهما بلغت دقتها وقوتها- لا تسقط نظاماً أو تقتلع ميليشيا مسلحة متجذرة، لكنها تهدم البيت على من فيه، وتترك الجدران آيلة للسقوط بانتظار دفعة واحدة من الجبهات الأرضية."
نزيف الروح المعنوية.. صدى "المهسترة" في الجبهات المنهارة
على الجانب النفسي، يبدو المشهد أكثر قتامة بالنسبة لعناصر المليشيا. فوصف المقاتل بأنه "مهستر وبقوة هذه الأيام" يعكس حالة من الهلع الفكري والضياع التعبوي نتيجة صدمة النيران المتواصلة.
لقاءات وهمية من كواليس الجبهات المشتعلة
(أحمد - جندي سابق ومراقب ميداني) قال:
"مقاتل مليشيا الاحتلال الإيراني الذي كان يخرج بشعارات التعبئة المطلقة يواجه اليوم واقعاً مرعباً؛ طائرات لا تغادر السماء وصواريخ دقيقة تمسح المعسكرات. لقد تحولت الحماسة الوهمية إلى حالة من الهستيريا والشك في كل شيء. هم ينزفون بشرياً ومعنوياً، وكل جبهة تسقط اليوم هي في الواقع سقطت في نفوسهم قبل أن تسقط بأقدام قوات الشرعية والتحالف."
(الشيخ محمد - شخصية اجتماعية مطلعة على أوضاع القبائل) قال:
"الأهالي باتوا يدركون حجم المحرقة التي تُساق إليها أبناؤهم. المغرر بهم يكتشفون متأخرين أنهم تُركوا بلا طعام ولا ذخيرة ولا قيادة تحميهم. الهزائم المتتالية في الجبهات خلقت شعوراً عاماً بالخذلان، والضغط النفسي اليوم يمزق صفوفهم من الداخل قبل أن تصله نيران المعركة."
"الأهالي باتوا يدركون حجم المحرقة التي تُساق إليها أبناؤهم. المغرر بهم يكتشفون متأخرين أنهم تُركوا بلا طعام ولا ذخيرة ولا قيادة تحميهم. الهزائم المتتالية في الجبهات خلقت شعوراً عاماً بالخذلان، والضغط النفسي اليوم يمزق صفوفهم من الداخل قبل أن تصله نيران المعركة."
الخاتمة:
إن ما تعيشه مليشيا الاحتلال الإيراني اليوم هو مخاض الانهيار الحتمي متى ما تضافرت الأدوات العسكرية؛ فالغارات المكثفة تمهد الأرض وتقتلع جذور الإمداد والحشد، لكن تحرك الجبهات الأرضية يظل هو المشرط الأخير لإتمام العملية واستئصال هذا المشروع. بين نزيف المعنويات وتلاشي العتاد، تقف المليشيا على حافة السقوط الكبير، في انتظار اللحظة التي تكتمل فيها المعادلة على الأرض، ليتحول هذا الصداع العنيف إلى نهاية محتومة لسطوة السلاح والكهنوت.