في الوقت الذي لا تزال فيه الحرب في اليمن تلتهم مقومات الحياة والنسيج الاجتماعي، تتعالى الصرخات التائهة من جبال القرى وأودية المحافظات: "إلى متى يستمر استنزاف الشباب في معارك بينية لا ناقة لهم فيها ولا جمل؟"
تساؤل يحمل وجع الأمهات وحسرة الآباء الذين يرون أطفالهم وشبابهم يُساقون تحت شعارات تعبوية بليغة إلى جبهات الاقتتال الداخلي، محولين طاقتهم البناءة إلى رماد في حطب صراع أخوي.
للوقوف على أبعاد هذه القضية المؤلمة وإيصال صوت الشارع والبيت القبلي، أجرينا هذا الاستطلاع مع عينات مختلفة من أطياف المجتمع (أم مكلومة، وشيخ قبلي، وشاب سابق بالجبهة، وناشطة حقوقية، وأستاذ علم اجتماع).. تعالوا معًا إلى نتائج هذه اللقاءات:
"نريد أبناءنا أحياء.. فقد أعادتهم الحرب في صناديق"
أم محمد (48 عامًا) – ربة منزل وأم لثلاثة قتلى في الاقتتال الداخلي، قالت:"فقدت ثلاثة من أبنائي في غضون عامين. كلما جاء أحدهم قال لي: 'نحن نلبي داعي القبيلة والواجب'، وفي النهاية يعودون إليّ في صناديق مغلقة! لم نعد نعرف ضد من يُقاتلون، فالقتيل يمني والقاتل يمني، والوجع واليتم في بيوتنا جميعًا. رسالتي لكل أم: لا تسمحي لأحد بجر ابنك إلى الموت، ابتكري له أي عمل، احميه، فالموت في هذه الحرب ليس فيه بطولة، بل هو حرقة قلب لا تنتهي."
"الأعراف العريقة تُستغل لغير مقاصدها"
الشيخ علي الرازحي (55 عامًا) – أحد شخصيات المجتمع القبلي، قال:"النكف والداعي القبلي أوجدهما الأجداد لحماية الجار، ونصرة المظلوم، ودفع العدوان الخارجي، وليس لاقتتال الأخ مع أخيه وابن العم مع ابن عمه. للأسف، جرى استغلال الأعراف ونخوة أبناء القبائل واستغلال الفقر والحاجة للزج بالأبناء في محرقة سياسية. الواجب على العقلاء والشيوخ اليوم التداعي لوثيقة شرف قبلية تمنع التحشيد البيني وتصون دماء اليمنيين."
"اكتشفت أن القتيل والقاتل كلاهما يمنيان"
سمير يحيى (24 عامًا) – شاب عاد من إحدى الجبهات قبل أشهر، قال:"ذهبت تحت تأثير الشعارات والحماس والتعبئة اليومية، وشعرت وقتها أنني أحارب عدوًا غاشمًا. لكن عندما صرت في الخطوط الأمامية ورأيت من يُقتلون ومن نقتلهم، اكتشفت أننا جميعًا يمنيون، أبناء محافظات وقرى متجاورة. عدت إلى قريتي وأعمل الآن في الفلاحة بأجر بسيط، وعرفت أن الحياة والبناء أولى من الموت في معركة لا تخدم سوى أمراء الحرب."
"ما يحدث هو عملية استغلال بشعة للفقر والقُصّر"
أمل السقاف – ناشطة ومدافعة عن حقوق الإنسان، قالت:
"ما يحدث لأبناء القبائل هو عملية استغلال بشعة للوضع الاقتصادي المتدهور وغياب التعليم. يتم استقطاب الأطفال والشباب بعروض مالية ضئيلة أو وعود وهمية. يجب على المجتمع المدني والمنظمات الدولية تسليط الضوء على هذه المحرقة، والعمل على تشكيل آليات مجتمعية لحماية القُصّر من التجنيد، ومحاسبة الأطراف التي تحول التنوع الاجتماعي والقبلي إلى الوقود المفضل للحرب."
"استنزاف الشباب هو تهديد مباشر لمستقبل النسيج الاجتماعي"
د. عبدالسلام القاضي – باحث في علم الاجتماع السياسي، قال:
"تجريد المجتمعات القبلية من طاقاتها الشبابية يعود بالبلاد عقودًا إلى الخلف. عندما تموت فئة الشباب، نتحدث عن انهيار القوة الإنتاجية، وارتفاع معدلات الأيتام والأرامل، ونشوء جيل محمل بالثارات والعداوات الاجتماعية التي ستحتاج لعقود لترميمها. المخرج الوحيد هو في استعادة دور المدارس، وتفعيل مبادرات التنمية الإقليمية، وإحياء صوت العقل الفكري والمدني."
الختام:
تؤكد محصلة هذا الاستطلاع الاستقصائي أن الشارع القبلي والشعبي يخوض حالة من الاستيقاظ المتأخر، ولكن الصريح، ضد استمرار تحويل فلذات الأكباد إلى حطب لمعارك الإخوة الأعداء.
إن حماية الشباب من هذه المحرقة تتطلب تكاتفًا عاجلًا بين العقلاء من الشيوخ، والأمهات، والمؤسسات المدنية للوقوف يدًا واحدة في وجه التعبئة العبثية، وإعلاء حرمة الدم اليمني فوق كل اعتبار، لتتحول الطاقة البشرية الهائلة لدى القبيلة من أدوات للتدمير إلى سواعد لبناء اليمن واستقراره.