اليمن في الصحافة الخارجية

بوتين وترامب.. الديزل يكشف تناقض المعسكر الغربي

روسيا اليوم- اخبار 10/10/2026 21:24 306 مشاهدة
بوتين وترامب.. الديزل يكشف تناقض المعسكر الغربي
43 خبر

تاريخ النشر: 10.10.2026 | 18:22 GMT

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن اتفاقه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على توريد روسيا أكثر من 300 ألف طن إلى السوق الأمريكية والعالمية.

الكاتب والمحلل السياسي/ رامي الشاعر

جاء ذلك في منشور نشره ترامب عبر منصة "تروث سوشيال" كتب فيه أن الطرفين اتفقا على توريد روسيا فورا أكثر من 300 ألف طن من الديزل إلى السوق الأمريكية والعالمية، فيما تضمن الاتفاق 500 ألف أخرى خلال نوفمبر، ثم مليون طن بعد ذلك مباشرة.

وخلال المحادثة التليفونية التي جرت بين الرئيسين مساء أمس الجمعة، والتي استمرت 90 دقيقة، تناول الرئيسان آفاق التسوية الأوكرانية وأوضاع الطاقة العالمية والملف الإيراني. حيث جاء في البيان الذي نشره الرئيس الروسي على الموقع الرسمي للكرملين: "خلال الاتصال الهاتفي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أولى الرئيس بوتين اهتماما كبيرا لآفاق تسوية الأزمة الأوكرانية، كما تطرق الجانبان إلى الوضع المتعلق بإيران ومختلف جوانب العلاقات الثنائية".

وأضاف بوتين أن الجانب الروسي أعرب عن استعداده لتوريد النفط والمنتجات النفطية إلى السوق الأمريكية والأسواق العالمية، وهو ما أكد انه سينعكس إيجابا على الاقتصاد العالمي بأسره.

من جهته وصف ترامب المحادثة بأنها ناجحة للغاية، ووصف المبعوث الخاص للرئيس الروسي لشؤون الاستثمار والتعاون الاقتصادي مع الدول الأجنبية ورئيس الصندوق الروسي للاستثمار المباشر كيريل دميتريف المكالمة بأنها ناجحة.

يأتي الإعلان وسط ارتفاع حاد في أسعار الديزل الأمريكية، بالتزامن مع اضطرابات أسواق الطاقة المرتبطة بالحرب مع إيران، وتراجع إمدادات الوقود المكرر، بينما وصل متوسط سعر جالون الديزل إلى 6.28 دولارا في 8 أكتوبر.

وفيما كانت الولايات المتحدة في السابق تستخدم العقوبات لتقليص عائدات الطاقة الروسية، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية "ترخيصا مؤقتا" يسمح باستيراد الديزل الروسي حتى 7 أبريل 2027. أثار ذلك، بطبيعة الحال، رئيس نظام كييف فلاديمير زيلينسكي، الذي انتقد مكالمة الرئيسين بشدة وقال إن "السماح لروسيا ببيع الوقود هو استثمار في الحرب"، ووصف القرار بأنه "ضعف من شركائنا الأقوياء".

يأتي ذلك بالتزامن مع وجود فريق أوكراني في ولاية فلوريدا الأمريكية لإجراء محادثات تستمر يومينمع مسؤولين أمريكيين بشأن التسوية.

من جانبه أضاف مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف أن "نظام كييف بمحاولته إفشال انتخابات مجلس الدوما عبر شن هجوم بالغ الضخامة بالطائرات المسيرة في يوم التصويت الرئيسي على مراكز الاقتراع في موسكو ومدن أخرى وضد أشخاص مرتبطين بتنظيم الانتخابات قد أفشل فعليا إمكانية الاستئناف الفوري للعملية التفاوضية".

اتفاق الديزل لا يعني ذلك بالطبع انهيار منظومة العقوبات الغربية غير المسبوقة ضد روسيا، لكنه يكشف حدود قدرتها على تحقيق أهداف سياسية ساذجة، ويؤكد أن الدول التي تفرض العقوبات تضطر إلى استثناءات عندما تصبح كلفة استمرار العقوبات على الداخل (الأمريكي في هذه الحالة) أعلى من كلفة التراجع المؤقت عنها.

اليوم، تعود روسيا، التي سعت واشنطن إلى تقليص حضورها في أسواق الطاقة العالمية، لتظهر بوصفها موردا يمكن اللجوء إليه عند اشتداد أزمة الإمدادات. وروسيا، كما هي العادة دائما، لا تتأخر عن تلبية حاجة الغرب الذي دائما ما يخونها ويخدعها ويتهمها بأقذع التهم.

إلا أن المفارقة الأكبر هي أثر الهجمات الأوكرانية الإرهابية اليوم على منشآت تكرير النفط الروسية، والتي باتت تتجاوز آثارها ساحة المعركة، لتطال أسواق الوقود ومصالح الولايات المتحدة نفسها. ففي الساعات التي أعقبت الإعلان عن الاتفاق، أفادت تقارير باندلاع حريق كبير في محطة روسية لشحن المنتجات النفطية في روستوف على الدون إثر هجوم بالطائرات المسيرة، وذلك بالتزامن مع إعلان أوكرانيا مواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية.

وكان ترامب قد دعا زيلينسكي، سبتمبر الماضي، إلى وقف ضرب المصافي الروسية، محذرا من أن استهداف منشآت الديزل يسهم في نقص المعروض وارتفاع الأسعار. وفي 10 أكتوبر، أفادت صحيفة "فاينانشال تايمز" بأن واشنطن حذرت كييف من أن استمرار الهجمات الأوكرانية قد يعرض التعاون الاستخباراتي الأمريكي الأوكراني للخطر.

بهذا لم تعد الهجمات الإرهابية الأوكرانية على المصافي الروسية مجرد أداة أوكرانية إرهابية لاستهداف مصادر الدخل الروسية، وإنما أصبحت أيضا موضع خلاف بين كييف وواشنطن، لأن نتائجها تمس الحسابات الأمريكية التي تتعلق بأسعار الوقود والإمدادات.

فإذا كانت الولايات المتحدة ترى أن استمرار ضرب المصافي الروسية يضر بمصالحها، فلماذا لا تستطيع تحويل هذا الموقف إلى تفاهم متبادل أوسع يتضمن الشركاء الأوروبيين، المشرفين على أداء نظام كييف؟

يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في ضوء زيارة اللجنة العسكرية لحلف "الناتو" إلى كييف، 6 أكتوبر الجاري، برئاسة الأدميرال جوزيبي كافو دراغوني، وبصحبة ممثلي الدول الأعضاء الـ32، وهي الهيئة الاستشارية العليا في الحلف. حيث تناولت الاجتماعات، بحسب البيان الرسمي، الأولويات العسكرية الأوكرانية (احتياجات القوات المسلحة في المرحلة التالية)، والدروس المستفادة من أنماط الحرب الجديدة، وتطبيقات الطائرات المسيرة وأنظمة القتال غير المأهولة، والاستعداد العسكري للحلف لمواجهة التهديدات الراهنة والمستقبلية.

فهل يمكن أن تعمل هذه اللجنة من "الناتو" بمعزل عن إرادة وإدارة البيت الأبيض؟

تظهر التحركات الدبلوماسية في ميامي، بالتزامن مع مكالمة بوتين وترامب، أن واشنطن لا زالت تسعى إلى تنسيق المواقف الأمريكية والأوكرانية والأوروبية حول مقترحات إنهاء الحرب. لكن ينبغي التمييز هنا بين امتلاك أدوات الضغط والقدرة على تحقيق النتيجة السياسية المطلوبة. حيث تمتلك واشنطن كل الأدوات المطلوبة لإرغام أوكرانيا على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، أو حتى التوقف عن ضرب المصافي ومنشآت الطاقة. سواء بتعليق المساعدات أو تقييد التعاون الاستخباراتي أو تعديل نظام العقوبات.

إن دلالة اتفاق الديزل بين روسيا والولايات المتحدة ليست في إنهاء سياسة العقوبات، أو تغيير مسار العملية العسكرية الروسية الخاصة بأوكرانيا، التي تتجه نحو نهاية حتمية ليست في صالح أوروبا وأوكرانيا، وإنما في أن العقوبات، مهما اتسع نطاقها، لا تستطيع إلغاء المصالح المتبادلة، أو منع عودتها إلى الواجهة عندما تتغير الظروف.

ما يبدو واضحا هو أن واشنطن تريد إضعاف قدرة روسيا على تمويل الحرب. لكنها في الوقت نفسه تريد أيضا الحفاظ على تدفق الوقود الروسي عندما تصبح مصالح المستهلك الأمريكي مهددة.

ثمة بعد آخر، لا يقل أهمية، طرحه بعض محللي المشهد بشأن ما إذا كان الديزل الروسي يمكن أن يفتح ثغرة في ورقة هرمز الإيرانية. ففي الوقت الذي تراهن فيه إيران على أن اضطراب تدفقات الطاقة عبر المضيق سيرفع الكلفة الاقتصادية للحرب على الولايات المتحدة وحلفائها، يأتي الاتفاق مع موسكو ليمنح واشنطن مصدرا إضافيا للوقود، بعيدا عن مسارات الإمدادات الخليجية، وهو ما يطرح السؤال عما إذا كانت موسكو، بتلبيتها احتياجات السوق الأمريكية، تستطيع أن تساعد واشنطن على امتصاص جزء من الضغوط التي تراهن عليها إيران؟

قد يبدو هذا التصور من منظور المصالح الإيرانية مشروعا، إلا أن روسيا، خلال المكالمة التليفونية بين بوتين وترامب، تعرضت للمسألة الإيرانية، وعاودت طرح فكرة نقل اليورانيوم الإيراني المخصب إلى أراضيها، كنوع من الضمانات لحلحلة الوضع حول الأزمة الإيرانية الأمريكية. بمعنى أن وصف الخطوة بأنها "طعنة في ظهر إيران" غير وارد على الإطلاق. فالاتفاق الروسي الأمريكي لا علاقة له بطهران، وإنما هو جزء من علاقة مشتبكة ومعقدة بين قوتين عظميين هما روسيا والولايات المتحدة، لديهما كثير من الملفات المترابطة، من الأزمة الأوكرانية والضمانات الأمنية ومنع الانتشار النووي والشرق الأوسط والقطب الشمالي وانتهاء بالعلاقات الثنائية والمصالح المتبادلة وحتى فتح خطوط الطيران المباشر بين البلدين.

كذلك فإن تنويع واشنطن لمصادر الوقود وتقليل تأثرها بأزمة الخليج ربما يخفض كلفة استمرار المواجهة عليها، بينما تراجع جزئيا فاعلية الضغط الاقتصادي الذي تراهن عليه إيران، لكنه لا يمحو آثار أزمة هرمز إذا ظلت حركة الملاحة في المضيق معطلة على نطاق واسع، التي لا يعالجها اتفاق واحد بتوريد 300 ألف أو حتى مليون طن من الديزل.

ما نشهده اليوم استنادا للمكالمة التليفونية بين بوتين وترامب هو تناقض واضح داخل المعسكر الغربي، الذي تبنى خطة خبيثة لـ "هزيمة روسيا استراتيجيا" و"إضعاف روسيا" و"تقسيم روسيا" و"تركيع روسيا" ليعود صاغرا ويطلب العون من روسيا التي لم ولا ولن تغير موقفها الثابت تجاه أمنها القومي ووحدة أراضيها وسيادتها والتزامها الكامل والصارم بكل بنود ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب