وكالات | تقارير خاصة
كشف تحليل استقصائي أصدره مركز الأبحاث الأمريكي البارز "جيمستاون" عن تحول لافت في استراتيجية تنظيم "داعش" داخل اليمن؛ إذ فقد التنظيم قدرته على خوض المعارك الميدانية الواسعة، لكنه تحول في المقابل إلى مركز إعلامي عالمي ومنظومة اتصالات محورية تخدم فروع التنظيم المتناثرة حول العالم.
وأعد التحليل الباحثان سارة هرموش ومحمد بن فيصل، مسلطين الضوء على تفاصيل دقيقة ومعمقة حول هذا التحول الاستراتيجي المعقد.
وأوضح التحليل، أن مقتل المتحدث العالمي باسم التنظيم، أبو حذيفة الأنصاري، في مدينة سيئون بمحافظة حضرموت في الأول من سبتمبر، كشف عن أدوار تتجاوز الوظيفة الإعلامية الظاهرة، إذ تشير المعلومات التي أوردها التقرير إلى أن الأنصاري كان يتولى أيضاً قيادة فرع التنظيم في اليمن، ما وضعه في موقع يربط بين الهيكل المحلي للتنظيم وجهازه الإعلامي العالمي.
وبحسب التحليل، فإن تراجع هجمات داعش في اليمن لم يكن مؤشراً كافياً على انتهاء دوره داخل التنظيم الدولي، بل تزامن مع احتفاظه بكوادر إعلامية وشبكات اتصال وعلاقات مالية وتنظيمية أتاحت له مواصلة أداء وظائف تتجاوز حدود الساحة اليمنية، في تحول يعكس قدرة التنظيم على إعادة توزيع أدواره بعد خسارة معاقله الرئيسية في العراق وسوريا.
من ساحات القتال إلى غرف الدعاية
يشير تحليل جيمستاون إلى أن أهمية اليمن في المنظومة الإعلامية لداعش تعود إلى عام 2019 على الأقل، عندما بدأت القيادة المركزية للتنظيم، وفقاً لشهادات نقلها الباحثان عن مصادر مطلعة على اتصالاته الداخلية، البحث عن كوادر يمنية مؤهلة لتولي منصب المتحدث الرسمي، وطلب ترشيح أسماء وتقديم سير ذاتية وتسجيلات لخطب المرشحين المحتملين.
وجاء هذا التوجه بالتزامن مع تعرض التنظيم لضغوط عسكرية وأمنية متصاعدة في العراق وسوريا، ومقتل مؤسسه أبو بكر البغدادي والمتحدث باسمه آنذاك أبو الحسن المهاجر في أكتوبر 2019، الأمر الذي دفع قيادته إلى البحث عن بدائل تضمن استمرار جهازه الإعلامي وتواصله مع أنصاره، بعيداً عن المراكز التي كانت تتعرض للاستهداف.
ولفت التقرير إلى أن هذا التوجه استمر حتى بعد انهيار المعاقل الرئيسية لفرع داعش في اليمن، ولا سيما في منطقة قيفة بمحافظة البيضاء، حيث أدت المواجهات التي شهدتها المنطقة عام 2020 إلى مقتل عدد من قياداته ومقاتليه، وتراجع قدرته على الظهور كقوة مسلحة فاعلة.
غير أن الانحسار الميداني لم يُنهِ صلات الفرع اليمني بالقيادة المركزية، بل تشير المعطيات الواردة في التحليل إلى أن التنظيم احتفظ بعناصر ذات خبرة في الدعاية والاتصالات، وبقنوات ارتباط مع شبكات تنظيمية ومالية خارج البلاد، وهو ما منح اليمن أهمية مختلفة عن تلك التي كان يحتلها عندما كان التنظيم يخوض مواجهات مباشرة على الأرض.
واستند الباحثان إلى تقارير فريق الرصد التابع للأمم المتحدة، التي أشارت في فبراير 2025 إلى أن فرع داعش في اليمن، رغم محدودية عدد مقاتليه الذي قُدّر آنذاك بنحو 100 إلى 150 عنصراً، احتفظ بجناح إعلامي ودعائي متمرس، وأسهم في نقاشات داخل التنظيم بشأن نقل مركز قيادته إلى خارج العراق وسوريا.
كما أشار التحليل إلى تقرير أممي لاحق تحدث عن وجود شخصيات إعلامية بارزة للتنظيم في اليمن، وتنسيقها مع فرعه في الصومال، في مؤشر على أن الوظيفة الإعلامية باتت أحد أبرز أوجه استمرار الفرع اليمني داخل البنية التنظيمية العابرة للحدود.
أبو حذيفة الأنصاري.. قائد محلي وصوت عالمي
يقدم التقرير مقتل أبو حذيفة الأنصاري بوصفه محطة كاشفة لطبيعة التحول الذي شهده التنظيم في اليمن. فبحسب المصادر التي استند إليها الباحثان، فإن الأنصاري هو الاسم الحركي لميثاق ثابت هيثم الحجيلي، وهو يمني من محافظة لحج، تولى قيادة فرع داعش في اليمن منذ عام 2020 تحت اسم أبي مصعب المهاجر، قبل أن يتولى مهمة المتحدث الرسمي العالمي باسم التنظيم في أغسطس 2023.
ووفقاً للتحليل، انضم الحجيلي إلى التنظيم عام 2015، وعمل في جهازه الشرعي، ثم تولى موقعاً أمنياً في منطقة قيفة، مستفيداً من خلفية دينية وخبرة تنظيمية ساعدتاه على الصعود داخل فرع تضررت قيادته بفعل الضربات العسكرية والانقسامات الداخلية.
وبعد تراجع التنظيم في البيضاء، تمكن الحجيلي، وفقاً لما أورده التقرير نقلاً عن مصادر يمنية، من البقاء ضمن مجموعة محدودة من العناصر الناجية، والمساهمة في إعادة ترتيب الفرع ونقل نشاطه بعيداً عن المواجهات التي استنزفت قدراته السابقة.
وفي أغسطس 2023، ظهر الحجيلي باسم أبي حذيفة الأنصاري في تسجيل صوتي بثته مؤسسة الفرقان، معلناً مقتل زعيم التنظيم أبي الحسين الحسيني القرشي وتعيين أبي حفص الهاشمي القرشي خلفاً له. ومنذ ذلك الحين، أصبح صوته جزءاً من الخطاب الدعائي المركزي الموجه إلى أنصار التنظيم في مناطق متعددة.
ولم تقتصر رسائله على اليمن، بل تناولت التطورات في سوريا والصومال ونيجيريا والنيجر والكونغو الديمقراطية وموزمبيق، إلى جانب الدعوة إلى تنفيذ هجمات والإشادة بعمليات نُسبت إلى التنظيم أو متعاطفين معه في دول مختلفة.
ويرى التحليل أن الجمع بين قيادة الفرع اليمني ومهمة المتحدث العالمي منح الحجيلي موقعاً يتجاوز التمثيل الإعلامي، إذ أصبح حلقة وصل بين قيادة محلية محدودة الإمكانات العسكرية ومنظومة دعائية تخاطب جمهور التنظيم على المستوى الدولي.
مقتل مسؤول إعلامي آخر يكشف شبكة الاتصالات
لم تكن قضية الأنصاري الحادثة الوحيدة التي كشفت عن وجود بنية إعلامية للتنظيم داخل اليمن. فقد أشار تحليل جيمستاون إلى مقتل مسؤول إعلامي يُعرف باسم أبي زيد المهاجر، في غارة جوية بمدينة عتق بمحافظة شبوة خلال أبريل 2025، في عملية قالت مصادر أمنية يمنية إن الولايات المتحدة نفذتها.
وبحسب تحليل مركز الأبحاث الأمريكي، فإن أبا زيد هو خالد أحمد علي العريقي، الذي ربطته مصادر متعددة بالمسؤولية عن النشاط الإعلامي لفرع داعش في اليمن. كما أشار فريق الرصد التابع للأمم المتحدة، في تقرير لاحق، إلى مقتل شخص يُدعى أبا زيد، وصفه بأنه مسؤول سابق عن المكتب الإعلامي الرئيسي للتنظيم وحلقة وصل بين قيادات بارزة وفرع التنظيم في الصومال. ويتوافق الاسم الحركي وتوقيت الوفاة مع المعلومات التي أوردها الباحثان، وإن كان التقرير الأممي، وفقاً للتحليل، لم يذكر اسمه الكامل.
وأبرزت العملية، وفقاً للمصادر التي نقل عنها الباحثان، أهمية الأجهزة الإلكترونية والاتصالات في نشاط الشبكة، إذ أعقبت الغارة عمليات تفتيش ومصادرة لأجهزة حاسوب وهواتف ومعدات أخرى، في حين أشارت المعلومات إلى ارتباط عناصر أخرى داخل التنظيم بملفات الاتصالات الخارجية والإنتاج الإعلامي الرسمي.
وتكشف هذه الوقائع، وفق قراءة التقرير، أن استهداف قيادات داعش في اليمن لم يعد مرتبطاً فقط بملاحقة المقاتلين أو منع الهجمات، بل امتد إلى تفكيك شبكة من الأشخاص والمعدات والقنوات التي تخدم الجهاز الإعلامي للتنظيم على نطاق أوسع.
كما يوضح تكرار استهداف شخصيات مرتبطة بالإعلام والاتصالات، من أبي زيد إلى الأنصاري، أن البنية التي يستند إليها التنظيم قد تكون أكثر أهمية من حجمه العسكري المحلي، خصوصاً في ظل تراجع قدرته على السيطرة على الأرض أو تنفيذ عمليات معلنة.
استراتيجية البقاء بعيداً عن المواجهات
ويربط التحليل بين استمرار الدور الإعلامي لداعش في اليمن وبين التغييرات التي طرأت على سلوك فرعه بعد خسارة معاقله في البيضاء. فبدلاً من الانخراط في مواجهات واسعة تستنزف ما تبقى من عناصره، اتجه التنظيم، وفقاً للمصادر التي أوردها التحليل، إلى الحد من الصدام مع تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، رغم استمرار العداء الأيديولوجي بين الطرفين.
وأشار الباحثان إلى أن المصادر التي استندا إليها تحدثت عن توجه لدى قيادة الفرع اليمني لتجنب تجدد القتال مع القاعدة، وأنه لم تُسجل مواجهات معلنة بين الطرفين منذ فبراير 2020، وفق البيانات التي استشهد بها التحليل.
وعلى الصعيد المالي، أورد التحليل معلومات عن لجوء التنظيم إلى الخطف مقابل الفدية وتنفيذ أنشطة لم يُعلن عنها، في محاولة لتعويض خسائره المالية والحفاظ على موارده التشغيلية. وربطت تقارير يمنية سابقة عملية اختطاف نجل رجل أعمال حضرمي في تريم خلال يونيو 2022 بالتنظيم، في سياق البحث عن مصادر دخل بديلة.
ووفقاً للمعلومات الواردة في التحليل، استُخدمت بعض العائدات في تغطية التزامات مالية وشراء مركبات ومستلزمات مرتبطة بالمتفجرات والتدريب، وهو ما يشير إلى استمرار جوانب من النشاط التنظيمي حتى مع تراجع ظهوره الإعلامي والعسكري داخل اليمن.
وتبرز هنا مفارقة أساسية في مسار التنظيم: فغياب الهجمات المعلنة لا يعني بالضرورة توقف النشاط، بل قد يعكس انتقالاً إلى نمط أكثر سرية، يقوم على الحفاظ على الموارد والكوادر والاتصالات، بدلاً من خوض مواجهات ميدانية يصعب تحمل كلفتها.
هل تأثر الجهاز الإعلامي بمقتل الأنصاري؟
ويطرح التقرير تساؤلات بشأن انعكاس مقتل الأنصاري على منظومة داعش الإعلامية العالمية، مشيراً إلى ملاحظات رصدت تراجعاً في انتظام بعض المواد الدعائية وصدور صحيفة النبأ بوتيرة متأخرة عقب مقتله.
ومع ذلك، لا يقدم التحليل هذه المؤشرات باعتبارها دليلاً حاسماً على انهيار الجهاز الإعلامي أو ارتباطه الكامل بالأنصاري، إذ استمر إصدار الصحيفة، فيما بقيت الحاجة قائمة إلى مزيد من الرصد لتحديد حجم الاضطراب الذي أصاب المنظومة الدعائية.
لكن التزامن بين مقتل المتحدث العالمي وملاحظات التراجع في انتظام بعض الإصدارات يعزز، وفق التحليل، فرضية أن اليمن كان يؤدي دوراً مهماً في عمليات إنتاج الرسائل الإعلامية وتنسيقها، وأن استهداف الشخصيات الرئيسية قد ينعكس على شبكات تتجاوز الفرع المحلي.
ويعني ذلك أن تقييم نتائج عمليات مكافحة الإرهاب ضد داعش لا ينبغي أن يقتصر على عدد القتلى أو حجم الخسائر العسكرية، بل يتطلب أيضاً فحص ما إذا كانت الضربات قد عطلت الاتصالات بين الفروع، وأضعفت قدرة التنظيم على إنتاج الدعاية وتوزيعها، وقطعت صلاته بالكوادر والموارد الموجودة خارج ساحات القتال التقليدية.
اليمن في حسابات التنظيم الدولي
ويخلص تحليل جيمستاون إلى أن اليمن اكتسب أهمية مختلفة في بنية داعش بعد انحسار وجوده العسكري، إذ بات يمثل إحدى البيئات التي احتفظ فيها التنظيم بعناصر إعلامية واتصالات وروابط مالية وتنظيمية تخدم نشاطه خارج البلاد.
ويشير هذا التحول إلى أن التنظيم لم يعد يعتمد بالضرورة على وجود قوة مسلحة كبيرة أو السيطرة على مناطق واسعة كي يحافظ على تأثيره؛ إذ يمكن لفرع محدود العدد أن يؤدي وظائف مركزية تتصل بالدعاية والتنسيق وتبادل الموارد بين الفروع.
وتتجاوز دلالات مقتل الأنصاري حدود المشهد اليمني، إذ تكشف أن تراجع التنظيم في ساحة معينة لا يعني بالضرورة تراجع أهميتها في حساباته العالمية، كما أن انخفاض عدد الهجمات المعلنة قد يحجب استمرار أنشطة أخرى أقل ظهوراً وأكثر ارتباطاً ببنية التنظيم الداخلية.
ويبرز استهداف القيادات الإعلامية وشبكات الاتصال بوصفه جانباً متزايد الأهمية في مواجهة داعش، إلى جانب العمليات العسكرية والأمنية التقليدية، بالنظر إلى أن قدرة التنظيم على الاستمرار لا تقوم على السلاح وحده، بل تعتمد أيضاً على الاحتفاظ بقنوات اتصال وموارد وكوادر قادرة على ربط فروعه المتباعدة.
ووضع التحليل اليمن أمام معادلة أمنية تتجاوز حسابات المواجهة الميدانية: فالتحدي لا يقتصر على منع عودة التنظيم إلى السيطرة على الأرض، بل يشمل أيضاً منع استغلال البلاد قاعدةً لإدارة وظائف إعلامية واتصالية تدعم نشاطه في ساحات أخرى.