تحل الذكرى الثالثة والستون لثورة 14 أكتوبر المجيدة، التي انطلقت شرارتها من جبال ردفان بمحافظة لحج عام 1963م، لتجسد واحدة من أبرز محطات النضال الوطني اليمني ضد الاستعمار البريطاني، وتؤسس لمرحلة تاريخية انتهت بتحقيق الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر 1967م.
وتأتي هذه الذكرى فيما يعيش اليمن واحدة من أصعب مراحله التاريخية، في ظل الحرب التي أشعلتها عصابة الحوثي بانقلابها على الدولة ومؤسساتها، وما ترتب على ذلك من انهيار اقتصادي وإنساني، وانقسام سياسي وعسكري، وتهديد لمكتسبات الثورة والجمهورية.
لم تكن ثورة 14 أكتوبر حدثًا عابرًا في تاريخ اليمن، بل كانت تعبيرًا عن إرادة شعب قرر إنهاء السيطرة الأجنبية واستعادة حقه في تقرير مصيره.
فقد انطلقت شرارتها في 14 أكتوبر 1963م من جبال ردفان، بقيادة المناضل راجح غالب لبوزة ورفاقه، قبل أن تتسع رقعة المقاومة وتتلاحم القوى الوطنية في مواجهة القوات البريطانية، وصولًا إلى انتزاع الاستقلال وإجلاء آخر جندي بريطاني عن عدن في 30 نوفمبر 1967م.
وجاءت ثورة 14 اكتوبر 1963م امتدادًا لمسار التحرر الوطني الذي شهدته البلاد، وتكاملت مع ثورة 26 سبتمبر 1962م التي أطاحت بنظام الإمامة في شمال اليمن وأعلنت قيام النظام الجمهوري.
وقد جسدت الثورتان وحدة النضال اليمني من أجل التحرر من الاستبداد والاستعمار، وأرستا تطلعات اليمنيين إلى بناء دولة وطنية تقوم على الحرية والكرامة والمواطنة المتساوية وسيادة القانون.
ثورة الأمس ومعركة اليوم
وبعد أكثر من ستة عقود على انطلاق ثورة 14 أكتوبر، يجد اليمنيون أنفسهم أمام تحديات تعيد إلى الواجهة الأسئلة ذاتها التي واجهها جيل الثورة: كيف يمكن حماية السيادة الوطنية، وصون حرية الشعب، ومنع احتكار السلطة، وبناء دولة لا تخضع لإرادة القوة والسلاح؟
فمنذ انقلاب عصابة الحوثي على مؤسسات الدولة وسيطرتها على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014م، دخل اليمن في دوامة من الصراع الذي أضعف مؤسسات الدولة، وعمّق الانقسامات، وألقى بأعباء ثقيلة على ملايين اليمنيين.
ولم تقتصر تداعيات الحرب على المواجهات العسكرية، بل امتدت إلى الاقتصاد والمعيشة والخدمات العامة، فيما باتت قطاعات واسعة من السكان تعتمد على المساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتها الأساسية.
وتشير تقديرات خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة لعام 2026 إلى أن أكثر من 22 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية وخدمات الحماية، بينهم ملايين النازحين، في ظل اتساع انعدام الأمن الغذائي وتراجع الخدمات الصحية والمياه.
وتعكس هذه الأرقام حجم الكلفة الإنسانية التي يدفعها اليمنيون نتيجة استمرار انقلاب وحرب عصابة على الدولة والشعب وتعثر الوصول إلى تسوية سياسية تنهي الحرب وتعيد بناء مؤسسات الدولة.
الجمهورية في مواجهة مشروع السلالة
وتبرز أهمية ثورة 14 أكتوبر في الظرف الراهن من ارتباطها بمبادئ التحرر الوطني وحق اليمنيين في إدارة شؤونهم بعيدًا عن الهيمنة الخارجية والاستبداد الداخلي.
فالمعركة التي يخوضها اليمنيون اليوم لا تتعلق بالسيطرة على المدن والمناطق فحسب، بل تمتد إلى طبيعة الدولة التي يريدونها، وما إذا كانت ستقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، أم ستظل رهينة السلاح والانقسام وادعاءات الحق الحصري في الحكم.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن استحضار أهداف ثورتي سبتمبر وأكتوبر ينبغي ألا يقتصر على الاحتفالات الرسمية والخطابات الموسمية، بل يتطلب تحويل مبادئهما إلى مشروع وطني جامع يستعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها، ويصون الحريات العامة، ويرفض التمييز بين المواطنين على أساس الانتماء المناطقي أو السلالي، ويضمن مشاركة اليمنيين في الحياة السياسية على قدم المساواة.
كما تفرض التطورات الراهنة ضرورة توحيد الصف الوطني وتجاوز الخلافات السياسية التي أضعفت القوى المناهضة للحوثيين، إذ إن استعادة الدولة لا يمكن أن تتحقق في ظل تعدد مراكز القرار وتضارب المصالح، وإنما تتطلب توافقًا على أهداف وطنية واضحة، وفي مقدمتها إنهاء الانقلاب، واستعادة مؤسسات الدولة، وحماية المدنيين، وتهيئة الظروف لسلام عادل ومستدام.
تعز وامتداد معركة التحرر
وتكتسب ذكرى الثورة أهمية خاصة في محافظة تعز، التي ارتبط تاريخها بالنضال الوطني ومقاومة مشاريع السيطرة والإقصاء، وتواجه منذ سنوات تداعيات الحرب والحصار وتدهور الأوضاع الإنسانية. ومع استمرار المواجهات والضغوط المعيشية، تتجدد معاناة السكان جراء صعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية، وتضرر النشاط الاقتصادي، وتعطل مصالح المواطنين في مناطق مختلفة من المحافظة.
وتعيد هذه الأوضاع إلى الأذهان حقيقة أن التحرر الوطني لا يكتمل بمجرد إنهاء وجود قوة مسيطرة، بل يحتاج إلى بناء دولة قادرة على حماية مواطنيها، وضمان حقوقهم، وتوفير الخدمات والعدالة، ومنع تكرار أسباب الصراع. فالمواطن الذي ناضل أجداده من أجل الاستقلال والكرامة، يتطلع اليوم إلى استعادة الأمن والاستقرار، وإنهاء الحرب، والعيش في ظل مؤسسات تحترم حقوقه وتصون كرامته.
إن الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر ليست مجرد مناسبة لاستعادة صفحات مشرقة من التاريخ، بل فرصة لمراجعة واقع البلاد واستحضار المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتق القوى السياسية والاجتماعية.
فالتضحيات التي قدمها المناضلون في ردفان وعدن ولحج وسائر مناطق اليمن لم تكن من أجل استبدال هيمنة بأخرى، وإنما من أجل الحرية والاستقلال والكرامة.
واليوم، تفرض هذه الذكرى على اليمنيين استعادة جوهر المشروع الوطني الذي حملته ثورتا سبتمبر وأكتوبر، وتغليب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة، وتوحيد الجهود لاستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب، والعمل على معالجة آثار الحرب وإعادة بناء ما دمرته سنوات الصراع.
وستظل ثورة 14 أكتوبر شاهدًا على قدرة اليمنيين على مواجهة التحديات حين تتوحد إرادتهم حول هدف وطني جامع. وبين ملحمة التحرر من الاستعمار ومعركة استعادة الدولة من قبضة عصابة الحوثي، تبقى الرسالة الأبرز أن السيادة لا تتجزأ، وأن الجمهورية لا تُصان بالشعارات وحدها، بل بدولة عادلة وقوية، ومؤسسات فاعلة، وإرادة وطنية تجعل كرامة الإنسان اليمني ومستقبل البلاد فوق كل اعتبار.