ليست غزة بعيدة عن تعز، وليست تعز غريبة عن غزة؛ فبين المدينتين حكاية ألم تنتمي إلى الإنسان قبل الجغرافيا، وترويها دموع الأمهات، ووجوه الأطفال، وبيوت أنهكتها الحرب، وأسر وجدت نفسها في مواجهة الخوف والفقد وشظف العيش. لكن التضامن الصادق لا يعني أن نخلط بين القضايا، ولا أن نسمح لمأساة أن تطغى على أخرى، ولا أن تتحول معاناة شعب إلى ذريعة لتجاهل معاناة شعب آخر. فغزة تستحق التضامن، وتعز تستحق الإنصاف، ومأرب وسائر المدن اليمنية التي عانت الحرب من مليشيا الحوث الايرانية تستحق أن يُسمع صوت أبنائها، وأن تُصان كرامتهم، وأن تُحفظ حقوقهم.
وإذا أردنا الحديث عن وجع تعز، فلا بد من تسمية المسؤوليات بوضوح، بعيدًا عن المجاملة السياسية أو الاختباء خلف الشعارات. لقد تحمل أبناء تعز سنوات طويلة من الحصار والقيود على الحركة، والقصف الذي طال مناطق مأهولة بالسكان، وصعوبة الوصول إلى الغذاء والمياه والأدوية والخدمات الأساسية. وتتحمل جماعة الحوثيين مسؤولية موثقة عن فرض قيود مشددة على الطرق المؤدية إلى المدينة، وعرقلة وصول المساعدات، وزرع الألغام التي تهدد حياة المدنيين، فضلًا عن انتهاكات شملت الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب والتجنيد، وفق تقارير حقوقية دولية ومحلية. وقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش انتهاكات ارتكبتها جماعة الحوثيين وأطراف أخرى في النزاع اليمني، بما في ذلك القيود على الحركة والمساعدات في تعز واستخدام الألغام والاعتقالات التعسفية.
إن حصار تعز، وإغلاق الطرق الحيوية أمام سكانها، وتعريض المدنيين لمخاطر القصف والألغام، ليست تفاصيل عابرة يجوز تجاوزها في خطاب المصالحة، ولا أرقامًا باردة يمكن نسيانها عند تغير الأولويات السياسية. إنها معاناة إنسانية حقيقية، ومسؤولية أخلاقية وسياسية تستوجب الاعتراف بها، ورفع القيود التي تزيدها، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق الأدلة والقانون. ولا يجوز أن تتحول الشعارات التي ترفعها جماعة الحوثيين عن فلسطين أو غيرها من القضايا إلى حصانة تبرر أفعالها في اليمن أو تصرف الأنظار عن حقوق اليمنيين.
إن من حق أهل تعز أن يسألوا:
من المسؤول عن الطرق التي أُغلقت أمام المرضى والمسافرين؟
ومن يتحمل مسؤولية الألغام التي تحصد أرواح المدنيين؟
ومن المسؤول عن القصف الذي طال الأحياء السكنية، وعن القيود التي فاقمت معاناة الأسر؟
ومن يضمن ألا تتكرر هذه الانتهاكات، وألا يبقى الضحايا محرومين من الإنصاف؟
هذه أسئلة مشروعة لا ينبغي أن تُقابل بالتخوين أو المزايدة أو المطالبة بالصمت، بل بالتوثيق والتحقيق والمساءلة والبحث عن حلول تحمي المدنيين وتنهي معاناتهم.
وما ينطبق على تعز ينطبق على مأرب وسائر المناطق اليمنية التي دفعت أثمانًا باهظة للصراع. فلا يجوز تجاهل آثار الهجمات والتهديدات والنزوح والخوف على حياة المدنيين، ولا إعفاء أي طرف من المسؤولية عن انتهاكاته. لكن مسؤولية الحوثيين عن الانتهاكات المنسوبة إليهم والمثبتة في تقارير حقوقية يجب أن تُذكر صراحة، لا أن تُدفن تحت عبارات عامة توحي بأن المسؤولية متساوية في كل واقعة، أو أن تحديد المسؤول عن انتهاك بعينه أمر غير ضروري.
إن السلام الحقيقي لا يبدأ بإنكار الجراح، والمصالحة لا تعني إعفاء المتسببين في الأذى من المساءلة، والتعايش لا يقوم على مطالبة الضحايا بنسيان ما تعرضوا له. بل يبدأ السلام بالاعتراف بمعاناة الناس، وفتح الطرق، وحماية المدنيين، وإزالة الألغام، وضمان وصول المساعدات، وإطلاق سراح المحتجزين تعسفيًا، والكشف عن مصير المختفين قسرًا، والتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
ومع ذلك، فإن وضوح المسؤولية السياسية والحقوقية لا ينبغي أن يقودنا إلى ظلم شعب آخر أو تحميله أخطاء بعض أفراده. فإلى اليمنيين الأحباب، يا أهل تعز ومأرب وكل مدينة عانت من الحوثيين: لا تجعلوا ما يصدر عن بعض الأصوات الفلسطينية من مواقف جارحة أو تعليقات مستفزة سببًا للحكم على الشعب الفلسطيني بأكمله. فالفلسطينيون ليسوا صوتًا واحدًا، ولا يحق لفرد أو مجموعة أن تدعي تمثيل ملايين البشر في كل موقف أو رأي. ومن الإنصاف أن نميز بين إساءة فردية وبين شعب يعاني بدوره من الاحتلال والحرب والتهجير وفقدان الأمن.
لكن الإنصاف نفسه يقتضي ألا يُطلب من اليمنيين ابتلاع ألمهم، أو السكوت عن حصار تعز وانتهاكات الحوثيين، أو تأجيل الحديث عن حقوق الضحايا كلما حضرت القضية الفلسطينية في النقاش. فالتضامن مع فلسطين لا يعني الصمت عن اليمن، كما أن رفض ممارسات الحوثيين لا يعني التخلي عن حقوق الفلسطينيين. ومن يطالب بالعدل لغزة ينبغي ألا ينكر العدل على تعز، ومن يرفض الظلم بحق اليمنيين ينبغي ألا يبرر الظلم بحق الفلسطينيين.
إن القضية الفلسطينية قضية شعب وحقوق وكرامة، وليست ملكًا لجماعة سياسية أو أداة تمنح أي طرف إعفاءً من المساءلة. كما أن الدفاع عن اليمنيين لا يحتاج إلى التقليل من معاناة الفلسطينيين أو الدخول في منافسة غير أخلاقية بين الضحايا. فالوجع ليس مسابقة، والكرامة لا تُقاس بمقدار التعاطف الذي يحصل عليه شعب على حساب شعب آخر.
إن غزة وتعز تلتقيان في حق الإنسان في الحياة والأمان والحرية، لكن لكل منهما سياقها السياسي والإنساني ومسؤولياتها التي ينبغي تحديدها بدقة. وما يجمعهما ليس تطابق كل تفاصيل المأساة، بل أن المدنيين لا ينبغي أن يدفعوا ثمن الصراعات، وأن معاناتهم لا يجوز أن تُستغل في المزايدات السياسية، وأن حقوقهم تستحق الحماية والمساءلة العادلة.
ولذلك، فإن واجبنا اليوم أن نرفض القصف الذي يستهدف المدنيين، والحصار الذي يحرمهم من احتياجاتهم الأساسية، والألغام التي تقتلهم بعد انتهاء المعارك، والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب والتجنيد القسري للأطفال، وكل انتهاك تثبت مسؤوليّة أي طرف عنه. كما أن واجبنا أن نرفض استخدام القضية الفلسطينية غطاءً لتبرير انتهاكات الحوثيين، أو استخدام الخلاف مع بعض الفلسطينيين ذريعة لتعميم العداء على الشعب الفلسطيني.
يا أهل غزة وتعز ومأرب، لا تسمحوا للأصوات العابرة بأن تهدم جسور الأخوة بين الشعوب، ولا تسمحوا للشعارات السياسية بأن تحجب حقائق المعاناة ومسؤوليات مرتكبي الانتهاكات. قولوا بوضوح إن تعز تستحق رفع الحصار والقيود، وإن مأرب تستحق الأمن والاستقرار، وإن اليمنيين يستحقون دولة تحمي حقوقهم وتصون كرامتهم. وقولوا بالوضوح نفسه إن الفلسطينيين يستحقون الحرية والأمان والعدالة، وإن أخطاء بعض الأفراد لا تبرر معاقبة شعب كامل معنويًا أو تحميله مسؤولية مواقف لم يتبنها.
إننا لا نحتاج إلى التضحية بقضية من أجل أخرى، ولا إلى الصمت عن انتهاك لإثبات التضامن، ولا إلى تحويل الخلاف السياسي إلى خصومة بين الشعوب. ما نحتاج إليه هو شجاعة في تسمية المسؤوليات، وإنصاف في التعامل مع الضحايا، ورفض صريح لكل انتهاك، وعمل جاد لإنهاء الحروب وحماية المدنيين.
غزة وتعز توأم الكرامة، لا لأن جراحهما متطابقة، بل لأن الإنسان فيهما يستحق الحياة والأمان والحرية. وجرح اليمني لا ينتقص من وجع الفلسطيني، كما أن مأساة الفلسطيني لا تلغي مأساة اليمني. ومسؤولية الحوثيين عن حصار تعز والقيود المفروضة على سكانها والانتهاكات الموثقة بحق المدنيين لا تسقط تحت أي شعار سياسي، ولا يجوز أن تتحول القضية الفلسطينية إلى ستار يحجب حقوق الضحايا أو يعطل مساءلة المسؤولين.
سلام على غزة وأهلها، وسلام على تعز وأبنائها، وسلام على مأرب وكل مدينة يمنية تتطلع إلى الأمن والسلام. ولتكن رسالتنا واضحة: نتضامن مع فلسطين دون أن نصمت عن معاناة اليمن، وننصف اليمنيين دون أن نظلم الفلسطينيين، ونرفض انتهاكات الحوثيين وكل انتهاك يثبت وقوعه بحق المدنيين، لأن الكرامة لا تتجزأ، والعدالة لا تنتقي ضحاياها، والسلام الذي يتجاهل حقوق المظلومين ليس سلامًا مستدامًا.