لم تكن حملة نابليون على مصر مشروعًا استعماريًا بالمعنى التقليدي فقط، بل كانت أيضًا علامة على دخول المنطقة عصرًا جديدًا من التدخل الخارجي المنظّم. فقد رافق الحملة عددٌ من العلماء والمهندسين والباحثين، في إشارة واضحة إلى أن السيطرة لم تعد عسكرية فحسب، بل معرفية أيضًا. وأنتجت الحملة، إلى جانب احتلالها العسكري، محاولةً لفهم المجتمع المصري وإعادة تشكيله وفق نموذج أوروبي. ورغم هزيمة الحملة في نهاية المطاف، فإن أثرها كان عميقًا؛ إذ كشفت هشاشة البنى السياسية القائمة، وأظهرت أن المنطقة أصبحت ساحة تنافس دولي مفتوح.
في القرن التاسع عشر، حاولت الدولة العثمانية ومصر وغيرهما من الكيانات السياسية تنفيذ إصلاحات واسعة لمواجهة التفوق الأوروبي. وقد اتخذت هذه الإصلاحات شكل تحديث إداري وعسكري وتعليمي، لكنها غالبًا ما بقيت فوقية، مرتبطة بالدولة أكثر من ارتباطها بالمجتمع. كما أن اعتمادها على القوة المركزية جعلها عرضة للضعف عند أول أزمة سياسية أو مالية. وفي الوقت نفسه، بدأت القوى الأوروبية تتوسع في المنطقة تحت شعار التجارة والحماية والإصلاح، بينما كانت مصالحها الحقيقية تدور حول الطرق البحرية، والأسواق، والموارد، والمواقع الجيوسياسية.
مع انهيار الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، دخل الشرق الأوسط مرحلة إعادة رسم واسعة للحدود والنفوذ. وبدل أن يتحقق الاستقلال الحقيقي، خضعت المنطقة لترتيبات الانتداب والتقسيم، ثم لظهور دول قومية جديدة حملت وعودًا بالتحرر والوحدة والتنمية. لكن كثيرًا من هذه المشاريع اصطدم بتناقض داخلي: فقد أرادت بناء أمة حديثة، لكنها اعتمدت في الغالب على الدولة الأمنية والجيش والحزب الواحد. وفي منتصف القرن، برزت القومية العربية والاشتراكية الثورية بوصفهما مشروعين للتحرر والنهضة، غير أن الهزائم العسكرية، والانقلابات، والصراعات الإقليمية أضعفت هذه الوعود.
لاحقًا، ظهر الإسلام السياسي بوصفه ردًا على فشل القوميات والتنمية الاستبدادية. وقدّم هو أيضًا تصورًا لـ«نظام أفضل»، قائمًا على الهوية والدين والعدالة. لكن الحركات الإسلامية، مثل غيرها، واجهت سؤال السلطة: كيف تنتقل من المعارضة إلى الحكم دون إعادة إنتاج الاستبداد أو الانقسام؟ وفي العقود الأخيرة، كشفت الحروب الأهلية، والاحتلالات، والتدخلات الخارجية، والانهيارات الاقتصادية، أن أزمة الشرق الأوسط ليست في غياب المشاريع الكبرى فقط، بل في نمط متكرر من فرض الحلول من الأعلى، بدل بناء توافقات سياسية واجتماعية قابلة للاستمرار.
من هنا، يصبح «الشرق الأوسط الجديد» أقلّ وصفًا لمستقبل محدد، وأكثر تعبيرًا عن دورة متكررة من الطموح والإخفاق. فالقوى الخارجية كثيرًا ما تعاملت مع المنطقة كمساحة لإعادة التصميم، بينما سعت القوى المحلية إلى توظيف الدولة والمجتمع لخدمة مشاريع كبرى لا تحتمل التعدد ولا الاختلاف. والنتيجة أن المنطقة بقيت، في معظم لحظاتها، أسيرة معادلة صعبة: قوة بلا شرعية، إصلاح بلا مشاركة، ثورة بلا مؤسسات، ووحدة بلا قبول اجتماعي.
والخلاصة أن الشرق الأوسط ليس رقعة جغرافية تنتظر أن يُعاد تشكيلها، بل فضاء تاريخي حيّ، مليء بالمجتمعات والذاكرات والصراعات والمصالح المتشابكة. ولذلك، فإن أي «شرق أوسط جديد» لا يمكن أن يُبنى بالقوة أو بالمراسيم أو بالمشاريع المفروضة، بل يحتاج إلى تعددية، ومؤسسات، ومساءلة، وتسويات سياسية واقعية.
*كلية الحرب -جامعة لندن