أعادت الهجمات الصاروخية التي شهدتها العاصمة المؤقتة عدن ومحافظات شبوة ومأرب خلال الفترة الأخيرة طرح تساؤلات بالغة الأهمية بشأن مصادر الصواريخ التي تستخدمها ميليشيا الحوثي، وطبيعة قدراتها العسكرية، والأسباب التي تجعل من الصعب إنهاء التهديد الصاروخي رغم الضربات الجوية والعمليات العسكرية التي استهدفت مواقع تابعة لها على مدى سنوات.
وتكشف قراءة المشهد العسكري أن الخطر الصاروخي الحوثي لا يرتبط بموقع جغرافي واحد أو منصة إطلاق ثابتة، وإنما بمنظومة متشعبة تشمل قدرات التصنيع والتجميع والتخزين والنقل والإطلاق، إلى جانب شبكات الدعم الفني واللوجستي التي تتيح للميليشيا المحافظة على جزء من قدراتها رغم الخسائر التي تتعرض لها.
وبحسب تقديرات عسكرية وتحليلات مفتوحة المصدر، فإن الطبيعة الجبلية لليمن واتساع المناطق الخاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي يمنحانها مساحة للمناورة وإخفاء بعض معداتها، وهو ما يجعل التعامل مع هذا التهديد أكثر تعقيداً من مجرد تدمير منصة إطلاق أو استهداف معسكر عسكري.
خارطة الانتشار الصاروخي.. جغرافيا واسعة وتهديد متعدد الاتجاهات
تشير المعطيات المتداولة بشأن النشاط العسكري لميليشيا الحوثي إلى أن قدراتها الصاروخية ارتبطت، خلال سنوات الحرب، بعدد من المحافظات الواقعة تحت سيطرتها، وفي مقدمتها صنعاء وصعدة وعمران والحديدة، إلى جانب مناطق في وسط اليمن تشهد نشاطاً عسكرياً متواصلاً.
وتكتسب صنعاء أهمية خاصة باعتبارها مركزاً سياسياً وعسكرياً وإدارياً للميليشيا، بينما تمثل صعدة معقلاً تاريخياً لها، وتوفر التضاريس الجبلية في عدد من المحافظات ظروفاً تساعد على إخفاء المعدات العسكرية وصعوبة مراقبتها بصورة مستمرة.
أما محافظة الحديدة، فتكتسب أهميتها من موقعها المطل على البحر الأحمر، في ظل استخدام الحوثيين الصواريخ والطائرات المسيّرة في هجمات استهدفت الملاحة البحرية والسفن التجارية خلال مراحل مختلفة من الصراع.
وفي وسط اليمن، تبرز محافظات إب والبيضاء ومناطق التماس المحيطة بها ضمن المشهد العسكري العام، بالنظر إلى موقعها الجغرافي واتصالها بعدد من المحافظات التي تشهد مواجهات مسلحة.
غير أن تحديد المواقع الدقيقة التي انطلقت منها الهجمات الأخيرة على عدن وشبوة ومأرب يحتاج إلى أدلة فنية مستقلة، ولا يكفي الاعتماد على مقاطع الفيديو المتداولة أو شهادات السكان وحدها للجزم بمصدر كل صاروخ.
لماذا يصعب القضاء على المنظومة الصاروخية؟
تتمثل إحدى أبرز الصعوبات في أن المنظومات الصاروخية الحديثة لا تعتمد بالضرورة على منشآت ثابتة يسهل اكتشافها، بل يمكن أن تستخدم تجهيزات متحركة ومواقع تخزين محصنة ومرافق متعددة الوظائف.
وتساعد الطبيعة الجبلية الوعرة في اليمن على تعقيد عمليات الاستطلاع، خصوصاً عندما تكون المنشآت العسكرية موزعة على مساحات جغرافية واسعة.
كما أن بعض أنظمة الإطلاق المتحركة يمكن نقلها بين مواقع مختلفة، الأمر الذي يحد من جدوى الاعتماد على معلومات قديمة عن أماكن وجودها.
وتبرز مشكلة إضافية تتعلق بوجود منشآت ومعدات عسكرية محتملة بالقرب من مناطق مأهولة بالسكان، وهو ما يفرض تحديات قانونية وإنسانية كبيرة على أي عمليات عسكرية، ويستوجب الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين والأعيان المدنية.
ويرى محللون عسكريون أن تدمير جزء من القدرات الصاروخية لا يعني بالضرورة انتهاء التهديد، ما دامت هناك إمكانات لإعادة التجميع أو الحصول على معدات بديلة.
الهجمات على عدن وشبوة.. تصاعد المخاوف الأمنية
أعادت الهجمات الصاروخية المنسوبة إلى ميليشيا الحوثي خلال أكتوبر الجاري المخاوف بشأن أمن المدن والمنشآت الحيوية والتجمعات العسكرية.
فقد شهدت العاصمة المؤقتة عدن هجمات استهدفت محيط المطار ومناطق أخرى، بينما تعرض معسكر العلم في محافظة شبوة، في 19 أكتوبر، لقصف صاروخي أسفر، وفق المعلومات الأولية المتداولة، عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى بين المنتسبين العسكريين.
كما أعلنت السلطة المحلية بمحافظة مأرب تعرض المدينة لهجوم بأربعة صواريخ باليستية، في واقعة أعادت تسليط الضوء على المخاطر التي تواجه المناطق المكتظة بالسكان والنازحين.
وتكشف هذه التطورات أهمية تعزيز وسائل الحماية والإنذار المبكر، خصوصاً أن الهجمات الصاروخية لا تقتصر آثارها على الخسائر البشرية المباشرة، بل تمتد إلى تعطيل حركة الطيران والخدمات العامة وإثارة القلق بين السكان.
كيف يمكن الحد من التهديد الصاروخي؟
لا يمكن معالجة التهديد الصاروخي الحوثي من خلال إجراء عسكري منفرد، وإنما يتطلب الأمر استراتيجية وطنية متكاملة تجمع بين حماية السكان، وتعزيز القدرات الدفاعية، ومكافحة تهريب الأسلحة، وتحسين التنسيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية.
أولاً: تطوير منظومات الإنذار المبكر والدفاع الجوي
تمثل أنظمة الإنذار المبكر إحدى أهم وسائل تقليل الخسائر الناجمة عن الهجمات الصاروخية، إذ تساعد السلطات على إصدار التحذيرات وتفعيل إجراءات السلامة في المناطق المعرضة للخطر.
كما أن تطوير منظومات الدفاع الجوي وتوفير الحماية للمدن والمطارات والمنشآت الحيوية يمثل ضرورة ملحة، مع الأخذ في الاعتبار اختلاف قدرات أنظمة الاعتراض بحسب أنواع الصواريخ ومساراتها.
ثانياً: تعزيز مكافحة تهريب الأسلحة والمكونات العسكرية
يشكل الحد من تدفق الأسلحة والمكونات العسكرية غير المشروعة عاملاً مهماً في تقليص قدرة أي جماعة مسلحة على تجديد ترسانتها.
ويتطلب ذلك تعاوناً إقليمياً ودولياً في مجال الرقابة البحرية والجمركية، وتبادل المعلومات بشأن شبكات التهريب والجهات المتورطة في مخالفة قرارات حظر الأسلحة.
ثالثاً: رفع كفاءة التنسيق الأمني والعسكري
تحتاج مواجهة التهديدات الصاروخية إلى منظومة مؤسسية قادرة على تبادل المعلومات وتقييم المخاطر بصورة مستمرة، بما يسمح للجهات المختصة باتخاذ قرارات مبنية على معلومات دقيقة وموثوقة.
ويشمل ذلك تطوير قدرات التحقيق الفني في مواقع سقوط الصواريخ، وتحليل الحطام، وتوثيق الأدلة بما يساعد على تحديد نوع السلاح المستخدم ومصدره المحتمل.
رابعاً: حماية المدنيين والمنشآت الحيوية
تكتسب إجراءات الدفاع المدني أهمية خاصة في ظل تكرار الهجمات على المناطق المأهولة.
ومن الضروري وضع خطط طوارئ واضحة للمطارات والمستشفيات والمدارس والمنشآت الخدمية، وتدريب فرق الإسعاف والإنقاذ، وتوفير قنوات رسمية موثوقة لتحذير السكان.
كما ينبغي توعية المواطنين بضرورة الابتعاد عن مواقع سقوط المقذوفات وعدم الاقتراب من الحطام أو الأجسام المشبوهة، وترك التعامل معها للفرق المختصة.
خامساً: تعزيز الجهود الدبلوماسية والضغط الدولي
لا تنفصل مواجهة التهديد الصاروخي عن المسار السياسي والدبلوماسي، إذ يمكن للجهود الدولية الرامية إلى وقف الهجمات ومنع تدفق الأسلحة وتعزيز آليات المساءلة أن تسهم في الحد من المخاطر على المدى الطويل.
ويظل تطبيق القرارات الدولية ذات الصلة، ودعم المؤسسات اليمنية المختصة، من العوامل المهمة في بناء استجابة أكثر استدامة.
محافظة البيضاء.. أهمية جغرافية في قلب اليمن
تحتل محافظة البيضاء موقعاً جغرافياً مهماً في وسط البلاد، وترتبط بمناطق واسعة في عدد من المحافظات، الأمر الذي منحها أهمية عسكرية خلال سنوات الحرب.
وقد شهدت المحافظة مواجهات متكررة بين القوات المسلحة وميليشيا الحوثي، في ظل تنافس الطرفين على السيطرة على المناطق والمرتفعات والطرق الرئيسية.
غير أن الأهمية الجغرافية للمحافظة لا تعني بالضرورة أن جميع الهجمات الصاروخية التي تستهدف المحافظات المجاورة تمر عبرها، فإثبات مثل هذه العلاقة يحتاج إلى معلومات استخباراتية وأدلة فنية محددة.
وتؤكد التجارب العسكرية أن السيطرة على الأرض قد تؤثر في حركة القوات والإمدادات، لكنها لا تكفي وحدها لإنهاء خطر الأسلحة بعيدة المدى، خصوصاً عندما تكون هناك قدرات إطلاق من مناطق أخرى.
ما الذي تحتاجه عدن بصورة عاجلة؟
في ضوء الهجمات الأخيرة، تبرز الحاجة إلى مراجعة شاملة لخطط الحماية المدنية والدفاع الجوي في العاصمة المؤقتة عدن، مع إعطاء الأولوية للمطار والمستشفيات والمنشآت الخدمية والتجمعات السكانية.
كما تبرز أهمية إنشاء آلية رسمية موحدة لإعلان التحذيرات الأمنية، بحيث يحصل المواطنون على المعلومات الدقيقة من جهة معتمدة، بعيداً عن الشائعات والتسجيلات غير الموثقة التي تنتشر عقب كل هجوم.
وتحتاج السلطات كذلك إلى تعزيز قدرات المستشفيات على الاستجابة للحوادث واسعة النطاق، وتوفير مخزون مناسب من المستلزمات الطبية، وتطوير خطط الإخلاء والإسعاف.
معركة تتجاوز منصات الإطلاق
تكشف التطورات العسكرية الأخيرة أن التهديد الصاروخي الذي تمثله ميليشيا الحوثي أصبح واحداً من أبرز التحديات الأمنية التي تواجه اليمن والمنطقة، وأن التعامل معه يحتاج إلى رؤية طويلة المدى تتجاوز ردود الفعل المرتبطة بكل هجوم.
فالمشكلة لا تكمن فقط في مكان انطلاق الصاروخ، بل في استمرار امتلاك القدرة على إنتاجه أو الحصول عليه وتخزينه واستخدامه.
وبينما تظل معرفة مصادر التهديد جزءاً مهماً من التقييم العسكري، فإن حماية السكان وتعزيز الدفاعات ومنع تهريب الأسلحة وتطوير مؤسسات الدولة تمثل ركائز أساسية للحد من آثاره.
أن إنهاء خطر الصواريخ الحوثية لا يتحقق بمجرد تدمير منصة إطلاق واحدة، بل بتقليص القدرة على تجديد الترسانة الصاروخية، وتعزيز وسائل الاعتراض والإنذار المبكر، وبناء منظومة أمنية ودفاعية متكاملة قادرة على حماية المدن اليمنية وسكانها.