كلما تعثرت الحسابات في اليمن، عاد اسم الرئيس الراحل الزعيم علي عبدالله صالح إلى واجهة الخطاب الإعلامي، وكأن استدعاء الماضي بات الوسيلة الأسهل لتفسير إخفاقات الحاضر، والهروب من الأسئلة الصعبة بشأن حصيلة سنوات طويلة من إدارة الملف اليمني. وبدلاً من إخضاع السياسات والقرارات للمراجعة والمساءلة، يجري أحياناً اختزال المشهد في رواية أحادية تجعل من صالح شماعة تُعلّق عليها تعقيدات الأزمة وتداعياتها.
فهل يُستدعى صالح لفهم الأزمة اليمنية، أم لتجنب مواجهة الأسئلة التي يفرضها واقعها الراهن؟
إن جوهر المشكلة لا يكمن في استعادة التاريخ أو مناقشة أدوار الشخصيات السياسية، فذلك من صميم العمل الإعلامي، بل في انتقائية القراءة حين تتحول إلى أداة لتبرير الإخفاقات، وتتراجع مساءلة من امتلكوا القرار والنفوذ والإمكانات خلال السنوات اللاحقة.
فمنذ عام 2015، دخل الملف اليمني مرحلة جديدة من التدخلات والتحالفات والخيارات العسكرية والسياسية، وارتبطت به أهداف معلنة تتقدمها مواجهة الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة. وبعد كل هذه السنوات، يصبح من المشروع، بل من الضروري، طرح أسئلة جوهرية حول النتائج التي تحققت، وأسباب التعثر، والعوامل التي أضعفت القوى المناهضة للحوثيين، وأوجه القصور في إدارة المعركة السياسية والعسكرية.
هذه الأسئلة لا تنتقص من تعقيدات الواقع اليمني، ولا تتجاهل مسؤولية الحوثيين عن الانقلاب وممارساتهم، لكنها ترفض في الوقت نفسه اختزال الأزمة في روايات مغلوطة تستخدم للتبرير والهروب من الفشل.
وتتضاعف الإشكالية حين تتحول بعض البرامج السياسية إلى منصات لإعادة إنتاج الرواية ذاتها، عبر استضافة أصوات تكرر الاتهامات والأحكام المسبقة، من دون تقديم قراءة متعددة الأبعاد أو فتح الملفات التي تستحق النقاش. عندها يفقد الحوار وظيفته الأساسية، ويتحول من مساحة لاختبار الروايات ومناقشة الوقائع إلى منبر لتكريس استنتاجات جاهزة.
إن الإعلام الذي يحترم جمهوره لا يكتفي بتوجيه الاتهامات إلى خصوم الأمس، ولا يقيس نجاحه بحدة الهجوم على شخصية سياسية راحلة، بل بقدرته على مساءلة أصحاب القرار، وكشف التناقضات، ومقارنة الأهداف المعلنة بالنتائج الفعلية. كما أن استدعاء محللين يكررون خطاباً واحداً لا يغني عن البحث والتحقيق، ولا يمنح الرواية الأحادية صفة الحقيقة لمجرد تكرارها على الشاشات.
ومن حق اليمنيين أن يعرفوا لماذا طال أمد الحرب، ولماذا تعثرت جهود استعادة الدولة، وكيف أسهم تضارب الأولويات وتعدد مراكز النفوذ والانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين في تعقيد المشهد. ومن حقهم أيضاً أن يشاهدوا نقاشاً إعلامياً يضع هذه القضايا في صدارة اهتمامه، بدلاً من الدوران المستمر في فلك خصومات الماضي.
إن نقد صالح حق مشروع، كما أن تقييم تجربته السياسية ضرورة لفهم جانب من تاريخ اليمن الحديث، لكن تحويله إلى متهم دائم عن كل إخفاق لاحق ليس قراءة تاريخية متوازنة. فالرجل، بكل ما له وما عليه، جزء من مرحلة انتهت، أما القرارات التي اتُّخذت بعد استشهاده، والسياسات التي أُدير بها الملف اليمني منذ ذلك الحين، فتستحق تقييماً مستقلاً يستند إلى الوقائع والنتائج، لا إلى الرغبة في العثور على شماعة مريحة.
اليمن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من معارك الروايات، بل إلى مراجعة جادة تكشف أسباب التعثر، وتحدد مسؤولية كل طرف وفق دوره، وتضع مصلحة اليمنيين واستعادة الدولة فوق الحسابات السياسية والإعلامية الضيقة. وهذه المهمة تبدأ من الاعتراف بأن الإخفاق، حين يقع، لا يُعالج بإعادة كتابة الماضي، وإنما بمواجهة الحاضر وتصحيح المسار.
فالتاريخ ليس شماعة للفشل، والشخصيات الراحلة ليست بديلاً عن مساءلة الأحياء. ومن يريد إقناع اليمنيين بسلامة روايته، فعليه أن يقدم إجابات عن حصيلة السنوات التي أُدير فيها الملف، لا أن يكتفي باستدعاء علي عبدالله صالح كلما أصبحت أسئلة الحاضر أكثر إلحاحاً من أعذار الماضي.