اليمن في الصحافة الخارجية

تخفيض المساعدات الدولية لبرامج الصحة الإنجابية يهدد حياة نساء السنغال

صحيفة الامارات اليوم 22/10/2026 03:06 442 مشاهدة
تخفيض المساعدات الدولية لبرامج الصحة الإنجابية يهدد حياة نساء السنغال
تخفيض المساعدات الدولية لبرامج الصحة الإنجابية يهدد حياة نساء السنغال

يقوّض مكاسب تنظيم الأسرة وسط تفاقم الفقر وأزمات مناخية تزيد معاناتهن

صورة

تقول القابلة القانونية، إيمي مباي، التي تعمل في المركز الصحي ببلدة جوال الساحلية في السنغال: «النساء هنا محاربات»، حيث تلخص هذه العبارة واقع النساء في المنطقة، اللواتي يواجهن أعباء صحية واقتصادية متزايدة، في ظل تراجع دخل الأسر، ومحدودية الخدمات الصحية، وتكرار الأزمات المناخية، وفي هذه الظروف تُشكّل وسائل منع الحمل ركيزة أساسية لحماية صحتهن وحياتهن، وتمكينهن من العمل وتحسين أوضاعهن المعيشية، غير أن تخفيض المساعدات الدولية من المملكة المتحدة والولايات المتحدة يهدد بتقويض سنوات من التقدم في مجال الصحة الإنجابية، ويحرم أعداداً من النساء من خدمات أساسية يعتمدن عليها في تنظيم أسرهن، وتحديد مستقبلهن.

وكان رصيف الصيد على شاطئ جوال يكتظ عادة بالنساء اللواتي يعملن في تجميع حصيلة الصيد اليومية، حتى إن أعدادهن كانت تحجب رؤية البحر، أما اليوم فقد أصبح المكان هادئاً، ولم تعد تظهر فيه سوى بقايا الأصداف المكسرة والأكياس البلاستيكية الممتدة حتى حافة المياه.

وفي إحدى ليالي الشهر الماضي، هبت عاصفة مصحوبة بأمطار غزيرة حالت دون تمكن الرجال من الإبحار بأمان على متن قواربهم الخشبية التقليدية المعروفة باسم «بيروغ»، وتسببت الأمطار في غمر منازل عدة بالمياه، ما اضطر النساء إلى البقاء في بيوتهن طوال اليوم لتصريف المياه من غرف النوم، والتعامل مع الأضرار التي خلّفتها العاصفة، وأصبحت هذه الظروف تتكرر على الساحل السنغالي، حيث تتداخل آثار التغيّرات المناخية مع الأزمات الاقتصادية التي تؤثر في حياة السكان ومصادر رزقهم.

شريان حيوي

وتقول السنغالية أداما فاي، البالغة من العمر 29 عاماً، إن حياتها أصبحت أكثر هشاشة، معبرة عن شعورها بقولها: «أشعر كأنني لا أتمسك بأي شيء».

ويعمل زوج فاي في الصيد، لكن هذا النشاط لم يعد يوفر دخلاً مستقراً للأسرة، فحتى عندما يتمكن الصيادون المحليون من الخروج إلى البحر، تؤثر عمليات الصيد واسعة النطاق التي تنفذها الشركات الدولية في حصيلتهم، فلا يحصلون إلا على كميات محدودة من الأسماك، الأمر الذي يفاقم الصعوبات المالية التي تواجهها أسرهم.

وفي ظل هذه الظروف، ذهبت فاي إلى العيادة الصحية المحلية، حيث وصل فريق من منظمة «إم إس آي للخيارات الإنجابية»، ضمن برنامج تموله المملكة المتحدة، لتقديم خدمات الصحة الإنجابية للنساء في البلدة.

وتزور المنظمة المنطقة كل شهرين تقريباً، وتوفر وسائل منع الحمل التي تساعد النساء على تجنب الحمل المتكرر وتقارب فترات الولادة، وما يرتبط بهما من مخاطر صحية قد تهدد حياتهن، كما تمنح هذه الوسائل النساء فرصة أكبر للتحكم في توقيت الحمل، وممارسة العمل والأنشطة المدرة للدخل، في وقت يتراجع ما يحصل عليه أزواجهن العاملين في الصيد من المال، لكن التخفيضات في المساعدات الدولية تهدد استمرار هذه الخدمات، التي تُمثّل شرياناً حيوياً للنساء في منطقة تعاني ضعف الإمكانات الصحية والاقتصادية.

نقص المستلزمات

وأوضحت القابلة إيمي مباي، البالغة من العمر 28 عاماً، والتي تتولى مسؤولية المركز الصحي في بلدة جوال، أن المرأة في المنطقة تمر، في المتوسط، بتسع أو 10 حالات حمل خلال حياتها، تشمل حالتين أو ثلاث حالات إجهاض أو ولادة لأجنة ميتة، مشيرة إلى أن أبرز مخاطر الحمل المتكرر، لاسيما عندما تكون الفترات الفاصلة بين الولادات قصيرة، تتمثّل في فقر الدم الحاد، وارتفاع معدلات الإجهاض، وزيادة احتمالات وفيات الأمهات.

وأضافت أن هذه المخاطر تزداد في ظل صعوبة الحصول على الرعاية الطبية اللازمة، ونقص المستلزمات الأساسية في المرافق الصحية، لافتة إلى أن الإجهاض غير قانوني في السنغال، الأمر الذي أسهم في انتشار عمليات الإجهاض غير الآمنة التي تجرى سراً وفي ظروف غير خاضعة للرقابة الطبية، بما يعرض النساء لمضاعفات صحية خطرة.

وترى أن هذه المشكلات لا تنفصل عن التدهور الاقتصادي الذي تشهده البلدة، مؤكدة أن دخل الأسر يرتبط بصورة مباشرة بما يتمكن الصيادون من جلبه من البحر، وتقول: «كل شيء هنا يرتبط بالبحر، فكثيراً ما أدعو إحدى النساء إلى الحضور من أجل فحص طبي، فتجيبني قائلة: لم يأتِ شيء من البحر، لذا لا نملك ما يكفي، ولا أستطيع القدوم».

وتضيف مباي أن منظمة «إم إس آي» هي الجهة الوحيدة التي تزور المنطقة بانتظام لتقديم هذه الخدمات.

ويفتقر المركز الصحي في جوال إلى مستلزمات أساسية، من بينها القفازات الطبية اللازمة للوقاية من انتشار العدوى، كما أن المبنى متهالك، وتنتشر داخله الأوعية المستخدمة لجمع مياه الأمطار المتسربة من السقف. وعلى الرغم من هذه الظروف، يُمثّل المركز الوجهة الصحية الأولى لسكان البلدة البالغ عددهم 28 ألف نسمة، من بينهم نحو 7000 امرأة في سن الإنجاب، لذلك فإن أي تراجع في الخدمات التي يقدمها قد يؤثر في أعداد كبيرة من النساء اللواتي يحتجن إلى الرعاية الصحية ووسائل تنظيم الأسرة.

تزايد الفقر

وتشعر كومبا دينغ، البالغة من العمر 52 عاماً، بتزايد الفقر في مجتمعها، حيث تدير مشروعاً صغيراً لإعداد الوجبات وبيعها للرجال العائدين من رحلات الصيد.

وتقول إن السكان كانوا يتناولون في السابق وجبات كاملة على الغداء والعشاء، إلا أن كثيرين منهم أصبحوا يكتفون الآن بوجبة واحدة يومياً، أما في المساء، فيختار معظم زبائنها طبق «فوندي»، وهو عصيدة رخيصة الثمن.

وتستعيد دينغ ذكرياتها في تسعينات القرن الماضي، عندما كانت عروساً جديدة، وتروي كيف اعتاد جيرانها مشاركتها ما يصطادونه من الأسماك، بل كانوا يحضرون لها سمكة كبيرة من دون انتظار أي مقابل مادي، أما اليوم، فقد تغيّرت الأوضاع، وأصبح الحصول على السمك أكثر كُلفة.

تأثر سلبي

ولدى كومبا دينغ سبعة أطفال، وكانت الفترات الفاصلة بين ولادات بعضهم لا تتجاوز تسعة أشهر، وتقول إن توالي حالات الحمل أثر سلباً في صحتها، حيث أصيبت بارتفاع ضغط الدم، وشعرت بالضعف.

وبعد فترة وجيزة من ولادة طفلها الأصغر قبل ست سنوات، زار فريق من منظمة «إم إس آي» المنطقة، وقدم لها وسيلة لمنع الحمل.

وتوضح دينغ أن الحصول على هذه الخدمة كان سيُشكّل عبئاً مالياً كبيراً عليها لو اضطرت إلى دفع كُلفتها بنفسها.

وتصف دينغ أثر هذه الخدمة بأنه غيّر حياتها بصورة جذرية، قائلة إن وجود وسيلة تساعدها على منع الحمل «يعني أنني أستطيع العمل».

مخاوف

وتعمل منظمة «إم إس آي» في السنغال ضمن برنامج تموله المملكة المتحدة، يُعرف باسم «الصحة الجنسية المتكاملة للمرأة»، ويحمل الاختصار «ويش 2» (WISH 2)، وينفذ البرنامج من خلال تحالف يعمل في ست دول، هي الكونغو الديمقراطية، ومالي، والنيجر، والسنغال، وتشاد، وموريتانيا، وتبلغ ميزانيته الإجمالية 60.9 مليون جنيه إسترليني، ويستهدف البرنامج دعم خدمات الصحة الإنجابية، وتوسيع نطاق حصول النساء على وسائل منع الحمل والرعاية المرتبطة بها، خصوصاً في المجتمعات التي تحول الظروف الاقتصادية والاجتماعية دون حصول النساء فيها على الخدمات الصحية اللازمة.

وسبق أن نفذت المرحلة الأولى من البرنامج، خلال الفترة من عام 2018 إلى عام 2024، إلا أن هذه المرحلة تضررت بشدة نتيجة تخفيضات المساعدات التي أُقرت في عهد حكومة حزب المحافظين السابقة في المملكة المتحدة.

ووفقاً لمنظمة «إم إس آي»، انخفضت الميزانية السنوية الأولية للبرنامج من 30 مليون جنيه إسترليني إلى 6.7 ملايين جنيه إسترليني، وأدى هذا الانخفاض إلى تقليص نطاق البرنامج من 12 دولة إلى ثماني دول، كما تراجع عدد النساء المستفيدات من مليونَي امرأة إلى 200 ألف امرأة.

وتتزايد المخاوف بشأن حجم التخفيضات الجديدة المحتملة، بعدما أعلنت الحكومة الحالية في المملكة المتحدة عزمها خفض ميزانية المساعدات الخارجية مجدداً، بهدف توفير التمويل اللازم لزيادة الإنفاق الدفاعي.

عن «الغارديان»

تواصل مباشر

يعتمد برنامج منظمة «إم إس آي» في السنغال، الذي يُعرف باسم «الصحة الجنسية المتكاملة للمرأة»، على أفراد موثوق بهم من المجتمع المحلي، يتولون التواصل المباشر مع السكان والوصول إلى النساء اللواتي يمكن أن يستفدن من خدمات الصحة الإنجابية.

وينتقل العاملون من منزل إلى آخر لشرح الخيارات المتاحة لمنع الحمل، وتوضيح أهمية المباعدة بين الولادات في حماية صحة الأم والطفل، كما يتحاورون مع النساء وأزواجهن بشأن فوائد تنظيم الأسرة، في محاولة لتعزيز الوعي، وتشجيع الأسر على اتخاذ قرارات تراعي صحة المرأة وظروف الأسرة المعيشية.

نساء يؤدين دوراً توعوياً في مجتمعهن

تؤدي السيدتان نداوا ثيام، وكومبا ديي دوراً توعوياً في مجتمعهما، بصفتهما من المعروفات بلقب «باجينو غوكس»، وهو مصطلح يترجم أحياناً إلى «زعيم الحي»، حيث تشرح السيدتان فوائد المباعدة بين فترات الحمل للنساء المتجمعات في رصيف الصيد في بلدة جوال السنغالية.

وتقول ثيام: «لم يعد البحر يمنحنا الموارد التي كان يوفرها في السابق»، مشيرة إلى أن آثار هذه التغيّرات لم تعد تقتصر على مصادر رزق الأسر فحسب، بل امتدت لتحدث تحولات ثقافية واجتماعية داخل المجتمع، انعكست على نظرة النساء إلى الإنجاب وتنظيم الأسرة، وتوضح ثيام أن العرف السائد في الماضي كان يشجع المرأة على إنجاب أكبر عدد ممكن من الأطفال، فيما كانت الكلمة الفصل في اتخاذ القرارات المتعلقة بالإنجاب تعود إلى الزوج، لكنها تضيف: «لقد غيّر الوضع الاقتصادي هذه النظرة وهذه الديناميكية، وباتت النساء يتحملن المسؤولية، حيث يلجأن إلى وسائل منع الحمل، ليتمكن من العمل وتوفير الاحتياجات»، وتؤكد ثيام وديي أن المباعدة بين فترات الحمل لا تقتصر فوائدها على تنظيم عدد الأطفال، بل تسهم أيضاً في الحفاظ على صحة المرأة، وتحسين ظروفها الصحية، وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل غياب التأمين الصحي والرعاية الصحية المجانية، حيث تواجه الأسر صعوبات في تحمل كُلفة العلاج عند إصابة أحد أفرادها بالمرض.

وفي مثل هذه الحالات، قد يضطر أفراد المجتمع إلى جمع التبرعات لمساعدة الشخص المريض وتغطية نفقات علاجه، إلا أن هذه المبادرات تواجه بدورها واقعاً صعباً، في ظل معاناة معظم السكان ضائقة مالية تحد من قدرتهم على تقديم الدعم.

وتشير ثيام إلى مجموعة صغيرة من الأشخاص يجلسون على أكياس من الرمل ودلاء مقلوبة، بينما يستمعون إلى فريق من منظمة «إم إس آي» يقدم لهم إرشادات ونصائح تتعلق بتنظيم الأسرة والوقاية من الأمراض المنقولة جنسياً.

وخلال الحديث، تطرّقت المجموعة إلى قضية الهجرة غير النظامية، التي أصبحت ظاهرة شائعة في البلدة، في ظل تراجع فرص العمل، وتزايد الضغوط الاقتصادية التي تدفع بعض السكان إلى البحث عن مستقبل أفضل خارج البلاد. غير أن هذه الرحلات تنطوي على مخاطر جسيمة، خصوصاً بالنسبة إلى الأشخاص الذين يحاولون عبور البحر في قوارب غير آمنة أملاً في الوصول إلى وجهات أخرى.

وتعبّر ثيام عن حجم الخسائر التي تكبدها المجتمع نتيجة هذه الرحلات، قائلة: «لقد فقدنا الكثير من رجالنا في المحيط، فقد تحول الآن إلى مقبرة».

إنقاذ الأرواح

وضعت الحكومة السنغالية، التي جرى انتخابها وسط آمال كبيرة، مطلع العام الماضي، أهدافاً طموحة لخفض معدلات وفيات الأمهات، وزيادة نسبة النساء اللواتي يستخدمن وسائل حديثة لتنظيم الأسرة من 27% إلى 46% بحلول عام 2028.

وقال رئيس قسم صحة الأم والطفل في العاصمة داكار، الدكتور أمادو دوكوري، إن هناك خططاً لزيادة الموارد، لكنه أكد أنه حتى مع توافر الموارد المحلية، لاتزال هناك حاجة إلى دعم من الشركاء، مشيراً إلى أن هذا الأمر مهم لأنه يتعلق بإنقاذ الأرواح.

وتغطي منظمة «إم إس آي للخيارات الإنجابية»، نحو 20% من تمويل خدمات الصحة الإنجابية في السنغال، حيث يأتي 40% من تمويلها من وزارة الخارجية البريطانية.

وأكد المدير الإقليمي للمنظمة، إيمانويل ديوب، أن تقليص المساعدات الدولية، لاسيما من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، بدأ يترك أثراً ملموساً في البلاد، ما دفع منظمة «إم إس آي» للتدخل وسد هذه الفجوات.

وقال ديوب إن تنظيم الأسرة في السنغال يعني، في جوهره، «إنقاذ الأرواح»، كما يتعلق الأمر أيضاً بـ«إيجاد وقت للعمل، وبناء مستقبل للعائلة».

وأشار إلى أن المرأة التي لديها خمسة أطفال أو أكثر «ليست بحاجة إلى إنجاب طفل آخر في وقت عصيب».

وأضاف أن برنامج المنظمة يمكن أن يدعم النساء، ويمنحهن فرصة نادرة لاتخاذ قرار بشأن أجسادهن وحياتهن، وقال: «هذا ليس أمراً غريباً، أو من قبيل الرفاهية، بل ضرورة، فإذا أقدموا على إلغاء هذا البرنامج، فهم بذلك يلغون ضرورة أساسية».

• تخفيض بريطانيا لتمويل برنامج خدمات الصحة الإنجابية، يُقلّص عدد النساء المستفيدات من مليونَي امرأة إلى 200 ألف.

• تُشكّل وسائل منع الحمل، التي توفرها منظمة «إم إس آي للخيارات الإنجابية»، ركيزة أساسية لتمكين النساء من العمل، وتحسين أوضاعهن المعيشية.

آخر تحديث للصفحة تم بتاريخ: 22 أكتوبر 2026 00:01

أعلى