في الثامن والعشرين من أكتوبر 1973م، انطلق صوت أبين عبر أثير إذاعة الشعب المحلية، لتبدأ حكاية إعلامية استثنائية نشأت بإمكانات متواضعة، ونمت بجهود رجال آمنوا بأن للمواطن صوتًا، وللمحافظة حكاية تستحق أن تُروى وتُوثّق.
واليوم، في الذكرى الثالثة والخمسين لتأسيس هذا الصرح الإعلامي، لا نستعيد مجرد تاريخ محطة إذاعية، بل نستحضر مرحلة من تاريخ أبين كانت فيها الإذاعة نافذة المحافظة إلى العالم، ورفيقة البيوت والحقول والقرى، ووسيلة لنقل أخبار الناس وقضاياهم وأفراحهم وتطلعاتهم.
إنها إذاعة الشعب المحلية، التي عُرفت لاحقًا بإذاعة أبين المحلية، وارتبط تاريخها بمقرها في جبل خنفر؛ المؤسسة التي تركت بصمتها في الذاكرة الجمعية لأبناء المحافظة، وأصبحت جزءًا من تاريخها الإعلامي والثقافي والاجتماعي.
من إمكانات بسيطة إلى ذاكرة محافظة كاملة
لم تبدأ حكاية الإذاعة باستوديوهات متطورة أو أجهزة حديثة أو ميزانيات كبيرة، بل انطلقت بإمكانات فنية محدودة، وجهود مخلصة، وعزيمة رجال أسهموا في وضع اللبنة الأولى للعمل الإذاعي في أبين.
وفي الثامن والعشرين من أكتوبر 1973م، بدأ البث الإذاعي باستخدام جهاز إرسال عسكري جرى توظيفه لهذا الغرض، قبل أن تتطور التجربة وتتسع دائرة المستمعين والبرامج مع مرور السنوات.
ومع مرور الوقت، تحول الصوت القادم من أبين إلى جزء من الحياة اليومية لأبنائها، ومنبر إعلامي محلي حمل قضايا المحافظة، وعبّر عن واقعها وطموحات أهلها، وربط المجتمع بمحيطه من خلال رسالة إعلامية قريبة من الناس واحتياجاتهم.
لقد كانت تلك البدايات شاهدًا على أن تأسيس المؤسسات لا يتطلب دائمًا إمكانات كبيرة بقدر ما يحتاج إلى إرادة صادقة، ورؤية واضحة، وأشخاص يؤمنون بأهمية ما يعملون من أجله.
رجال صنعوا البدايات وأسهموا في تأسيس التجربة
وراء كل مؤسسة عريقة رجال يستحقون أن تُحفظ أسماؤهم في صفحات التاريخ، وأن تُوثّق جهودهم للأجيال القادمة. وفي مقدمة روّاد التأسيس والعمل الإذاعي في أبين، تبرز أسماء الأستاذ أحمد رمضان، والأستاذ أحمد فضل العبسي، والإذاعي سنان عبدالله بن نعم، الذين ارتبطت أسماؤهم بالبدايات الأولى لهذا المنبر الإعلامي، وأسهموا في تأسيس تجربته ووضع اللبنات الأولى لمسيرته.
وكان الإذاعي سنان عبدالله بن نعم من أبرز العاملين في تلك المرحلة؛ إذ عمل مذيعًا ومعدًّا للبرامج، وتولى إدارة إذاعة أبين حتى عام 1986م، في فترة مبكرة من عمر المؤسسة، حين كان العمل الإذاعي يعتمد بدرجة كبيرة على إخلاص العاملين ومبادراتهم، وعلى ما يمتلكونه من خبرة وشغف بالرسالة الإعلامية.
كما أسهم في مسيرة الإذاعة إعلاميون وفنيون ومعدّو برامج ومراسلون آخرون، تعاقبوا على أداء رسالتها والمشاركة في تطوير تجربتها، ومن بينهم شداد علي ماطر، وأحمد عبيد السنبوق، وغيرهما من الكوادر التي تركت بصمتها في تاريخ الإذاعة.
ولم يكن هؤلاء مجرد أسماء في سجل وظيفي، بل كانوا جزءًا من مرحلة تأسيسية مهمة في تاريخ الإعلام المحلي بأبين؛ مرحلة تستحق التوثيق والإنصاف، من خلال جمع الشهادات والصور والتسجيلات والوثائق التي تحفظ جهود الروّاد والعاملين وتضعها في سياقها التاريخي الصحيح.
ماذا قدّمت إذاعة أبين لأبنائها؟
لم تقتصر رسالة إذاعة الشعب المحلية على نقل الأخبار أو تقديم البرامج الترفيهية، بل امتدت إلى أدوار توعوية وثقافية واجتماعية وتنموية لامست تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.
فقد أتاحت برامجها مساحة للاهتمام بقضايا الزراعة والري والمواسم الزراعية، إلى جانب قضايا الشباب والطلاب والمرأة والأسرة والطفل، والمواد الثقافية والجماهيرية والإرشادية التي ارتبطت باحتياجات المجتمع المحلي.
وكانت الإذاعة، في كثير من الأحيان، من أقرب وسائل الإعلام إلى المواطن؛ لأنها تناولت قضايا قريته ومديريته ومحافظته، ومنحته شعورًا بأن ما يعيشه من تحديات وما يحققه من نجاحات يستحق أن يُسمع ويُناقش.
ومع تطور مسيرتها، أصبحت الإذاعة بيئة مهنية أسهمت في صقل مهارات عدد من العاملين في المجال الإعلامي، كما اتسع نطاق بثها في مراحل مختلفة ليصل إلى مناطق خارج حدود أبين.
وهكذا، لم تكن إذاعة أبين مجرد موجة صوتية عابرة، بل كانت ذاكرة مسموعة، ومنبرًا محليًا، وجسرًا للتواصل بين المواطن ومجتمعه، ومساحة للتعبير عن قضايا المحافظة وتطلعات أبنائها.
لقد كانت إذاعة الشعب المحلية أكثر من محطة إذاعية؛ كانت جزءًا من الحياة اليومية لأبناء أبين، وشاهدًا على تحولات مجتمعهم، ووعاءً لحفظ جانب من تاريخهم.
حين انقطع الصوت… وبقيت الحكاية
لم تكن مسيرة هذا الصرح الإعلامي خالية من المحن؛ فقد تعرضت الإذاعة، خلال مراحل الصراع المختلفة، لأضرار متكررة، وتوقفت عن البث أكثر من مرة، قبل أن تتعرض تجهيزاتها ومعداتها للنهب والتدمير.
وكانت من أقسى المحطات التي مرت بها ما حدث عام 2011م، ثم الأضرار والدمار اللذان لحقا بها خلال أحداث عام 2015م، وما أعقب ذلك من نهب طال الأجهزة والأثاث ومحتويات المبنى.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «الأيام» في يناير 2018م، فقد تحول مبنى الإذاعة إلى أطلال، ولم تعد تجهيزاته كافية لاستئناف العمل. كما أشار تقرير نشره موقع «حيروت» في يناير 2021م إلى أن بث الإذاعة لم يُستأنف منذ توقفه الأخير عام 2015م.
وتعكس هذه الوقائع حجم الخسارة التي لحقت بمؤسسة إعلامية محلية لم تكن أهميتها محصورة في مبناها أو أجهزتها، بل في رسالتها وما راكمته من خبرات ومواد إعلامية وذاكرة اجتماعية.
فحين انقطع بث الإذاعة، غابت برامج اعتاد الناس سماعها، وفقدت المحافظة منبرًا كان ينقل أخبارها ويتناول قضاياها ويحتضن مواهب أبنائها. ومع ذلك، بقيت الإذاعة حاضرة في ذاكرة مستمعيها، وبقي تاريخها شاهدًا على مرحلة مهمة من مسيرة الإعلام في أبين.
إن توقف الإذاعة لم يكن مجرد انقطاع لبثٍّ إذاعي، بل كان خسارة لمنبر محلي حمل أخبار الناس، واحتضن مواهب الإعلاميين، ووثّق جانبًا من تاريخ المحافظة.
في الذكرى الثالثة والخمسين… هل يعود صوت أبين؟
إن إحياء ذكرى تأسيس إذاعة الشعب المحلية ينبغي ألا يقتصر على استعادة الذكريات وتداول الصور والعبارات، بل يتطلب تحويل هذه المناسبة إلى دعوة جادة لإعادة الاعتبار لهذا الصرح الإعلامي والعمل على استئناف دوره.
وتبدأ الخطوة الأولى بتقييم الأضرار التي لحقت بالمبنى ومرافقه، وتحديد الاحتياجات الفنية والإدارية اللازمة لإعادة التأهيل، وتوفير أجهزة البث والاستوديوهات، وتأمين متطلبات التشغيل، وتأهيل الكوادر البشرية، إلى جانب البحث عن أرشيف الإذاعة وما تبقى من تسجيلاتها ووثائقها وحفظه ورقمنته.
كما أن إعادة تشغيل الإذاعة، وفق رؤية إعلامية حديثة وخطة تشغيل مستدامة، يمكن أن تسهم في تعزيز حضور الإعلام المحلي، ونقل أخبار المحافظة، ومناقشة قضاياها الخدمية والتنموية، واحتضان أصوات الشباب والمبدعين، وتوفير مساحة للحوار والتوعية وخدمة المجتمع.
فأبين، بما تمتلكه من تاريخ ثقافي وزراعي واجتماعي وإعلامي، تستحق وسيلة إعلامية محلية تواكب احتياجات أبنائها، وتعكس تنوع مجتمعها، وتمنح قضاياها المساحة التي تستحقها.
ولا يقل عن ذلك أهمية توثيق جهود الروّاد الأوائل، وفي مقدمتهم أحمد رمضان، وأحمد فضل العبسي، وسنان عبدالله بن نعم، وسائر من أسهموا في هذه التجربة، من خلال إعداد دراسة تاريخية موثقة عن نشأة الإذاعة وتطورها، وجمع شهادات العاملين فيها، وحفظ صورهم وتسجيلاتهم وأعمالهم.
فإنصاف الروّاد ليس مجرد وفاء شخصي، بل هو واجب ثقافي وتاريخي تجاه المحافظة والأجيال التي لم تعاصر تلك البدايات، ومن حقها أن تعرف كيف نشأت مؤسساتها، ومن الذين أسهموا في بنائها، وما الذي قدمته لمجتمعها.
كلمة أخيرة: صوتٌ يستحق أن يعود
في الثامن والعشرين من أكتوبر، نستعيد حكاية بدأت بصوت بسيط، لكنها تركت أثرًا عميقًا في وجدان الناس.
نستذكر رجالًا حملوا مسؤولية البدايات بإمكانات محدودة، ونستعيد سنوات من العمل الإعلامي الذي خدم أبين وأهلها، ونؤكد أن تاريخ المؤسسات لا يُقاس بما تمتلكه من مبانٍ وأجهزة فحسب، بل بما تتركه من أثر في حياة الناس وذاكرتهم.
رحم الله من رحل من روّاد الإذاعة وعامليها، ووفّق كل من يسعى إلى إنصاف تاريخها، وحفظ إرثها، وإعادة الحياة إلى هذا المنبر الإعلامي.
ستبقى إذاعة الشعب المحلية بأبين حاضرة في ذاكرة مستمعيها، وسيظل سؤال عودتها مطروحًا أمام الجهات المعنية وكل المهتمين بتاريخ الإعلام في المحافظة:
متى يعود صوت أبين إلى أثيرها؟
فبعض الأصوات قد تغيب عن أجهزة البث، لكنها لا تغيب عن ذاكرة الأوطان.
إذاعة الشعب المحلية بأبين… 53 عامًا من الحكاية، وتاريخ من العطاء، وأملٌ لا ينبغي أن ينطفئ.