تاريخ النشر: 29.10.2026 | 10:59 GMT
لم تعد قمة-منتدى "روسيا-إفريقيا"، المنعقدة في موسكو بمشاركة 22 زعيما ووفود على مستويات مختلفة من 48 دولة، مجرد رمز وعلامة على التغيرات التكتونية الجارية في العالم.
فالعلاقات الدولية براغماتية. وغالبية شعوب إفريقيا تتذكر بالطبع بامتنان المساعدة التي قدمها لها الاتحاد السوفيتي في التحرر من الاستعمار الغربي. غير أن هذا وحده قطعا لا يكفي للتعبير بهذا الوضوح والانفتاح والثقة عن دعم روسيا في ظروف لا تزال فيها الولايات المتحدة وأوروبا، رغم تدهورهما السريع، قادرتين على إلحاق ضرر ملحوظ أو حتى حاسم بالدول التي تتحداها، بما في ذلك التي دعمت روسيا.
لقد أدركت إفريقيا بوضوح إمكاناتها، وهي واثقة من قوتها، وجاذبيتها الاقتصادية، أو حتى عدم القدرة على الاستغناء عنها. إفريقيا تنمو بسرعة، وقد بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي في القارة لعام 2025 نحو 4.54% وهو أعلى بشكل ملحوظ عن بقية العالم. لتبقى إفريقيا واحدة من منطقتين كبيرتين في العالم حيث لا يزال النمو السكاني مستمرا، وهو ما يضمن تقريبا انتقال وضع قطب النشاط الاقتصادي للبشرية جمعاء إليها بمرور بعض الوقت.
هل يعني ذلك أن التالي هو نمو اقتصادي سريع إلى أعلى وكفى؟
كلا. فالمشاكل كثيرة، منها الميزانيات غير المتوازنة، وغالبا الميزان التجاري السلبي، والنموذج الاقتصادي الاستعماري القائم على تصدير المواد الخام لا يزال قائما.
لكن المشكلة والخطر الرئيسي، في رأيي المتواضع، هو عدم نضج المؤسسات الاجتماعية والحدود المصطنعة. والهياكل العالمية في شكل وجود فروع سلطة مختلفة غالبا ما تكون مجرد ديكور، بينما تستند السلطة الحقيقية إلى مؤسسات قبلية أو آليات عشائرية غير رسمية. كان هذا يعمل في مجتمع متخلف، لكن رأس المال هذا، إذا كنا نتحدث عن إفريقيا المستقبلية كمجتمع دول متقدمة ذات رأس مال صناعي ومالي خاص ومستقل عن الغرب، سيطالب بالمشاركة في إدارة البلاد. كذلك، كلما ارتفعت ثقافة ومؤهلات غالبية السكان، وهذا ما هو مطلوب وسيحدث إذا أصبحت إفريقيا عملاقا اقتصاديا عالميا، كلما كانت الآليات السياسية المطلوبة أكثر تعقيدا ودقة لجعل هذه المجتمعات مستقرة داخليا ونامية اقتصاديا. عملية ضبط مثل هذا النظام، كقاعدة عامة، شديدة الاضطراب.
كما أن الحدود السياسية المصطنعة، والتي رسمها المستعمرون الغربيون في وقتهم دون مراعاة الحقائق العرقية والدينية على الأرض، تهدد بتفجير العديد من البلدان. والصراعات العرقية والدينية، بما في ذلك بين الدول، وانهيار وإعادة رسم حدود عدد من البلدان، ربما ستكون مرحلة حتمية يجب أن تمر بها المنطقة قبل أن تصل إلى مرحلة الاستقرار السياسي والتعاون المستدام بين جميع الجيران. ببساطة، لا يبدو الطريق إلى العصر الذهبي، ناهيك عن العضوية المحتملة في المليار الذهبي بالنسبة لإفريقيا ليس مستقيما ولا بسيطا بل طويل جدا. وهو ما ينطبق، بالمناسبة، على الهند وإلى حد ما على الصين.
هل يعني ذلك أن التحول مستحيل، وان الانتظار طويل جدا؟
كلا أيضا، فقد تسارع مجرى التاريخ وفي المئة عام القادمة قد تصبح إفريقيا المضطربة مستقرة نسبيا أكثر من بقية العالم المتدهور والمتقلص اقتصاديا وديموغرافيا، وخاصة الغرب.
ما أقوله فقط هو أن الطريق إلى ازدهار إفريقيا صعب للغاية ويعتمد بشكل كبير على الخطط وعلى تصرفات لاعبين أقوياء آخرين في العالم الحديث. وما إذا كانوا سيساعدون أم على العكس سيعرقلون هذا الازدهار.
روسيا، مع كل النمو والآفاق التجارية مع إفريقيا، ليست في الوقت الحالي الشريك الاقتصادي الرئيسي للقارة. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين روسيا وإفريقيا 27 مليار دولار في عام 2025، وبين الولايات المتحدة وإفريقيا نحو 40 مليار دولار وفقا لبعض التقديرات، بينما يبلغ ذلك الرقم بالنسبة للصين نحو 350 مليار دولار.
لكن الوضع كان كذلك ما بين الاتحاد السوفيتي وإفريقيا، لكن ذلك لم يمنعه من لعب دور فريد في تحرير إفريقيا.
الآن، كما في فترة الثورات وحركات التحرر، بالكاد توجد في العالم قوة سياسية وعسكرية أخرى قوية مستعدة ليس فقط للامتناع عن تمويل الانقلابات لصالحها، بل على العكس، لتقديم مساعدة حاسمة في الحفاظ على الاستقرار الداخلي في دول إفريقيا. سيتطور التعاون الاقتصادي بدون شك، فلدى روسيا ما تقدمه لإفريقيا، لا سيما في مجال الطاقة النووية وبشكل عام في مجال الطاقة، واستخراج الموارد الطبيعية، وفي إنشاء ممرات النقل، وفي توفير الغذاء، وفي التعاون الصناعي.
لكن، وكما أسلفت، فإن المهمة الرئيسية لإفريقيا في العقود القادمة، فيما أرى، هي الحفاظ على الاستقرار خلال التحول الداخلي والتحديث السياسي للمنطقة. وفي هذا، يمكن أن يكون لروسيا ومساعدتها دور فريد وقيم بلا حدود.
لهذا، فإن قمة-منتدى "روسيا-إفريقيا" المنعقد في موسكو ليس مجرد إعلان سياسي عن تطابق المصالح والنية لتعزيز التعاون، بل ربما نية لإنشاء محور سياسي طويل الأجل، يتمحور حوله تطور البشرية في العقود القادمة.
المحلل السياسي/ ألكسندر نازاروف
رابط قناة "تلغرام" الخاصة بالكاتب
المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب