تتصاعد في الأوساط اليمنية حالة من السخط والتهكم جراء تحول ملف "القبيلة والسياسة" إلى مجرد استعراض بروتوكولي في قاعات الفنادق الأوروبية وقصور المنظمات الدولية بجنيف. وبينما يرتدي مشايخ المنفى أفخر البدلات الإيطالية ليوقعوا "مواثيق شرف قبلي" برعاية سويسرية، تبتعد هذه اللقاءات كلياً عن نبض الأرض والواقع المعاش تحت سيطرة ميليشيا الحوثي في الداخل.
«المنتصف» فتحت هذا الملف واستطلعت آراء خمس شخصيات من أطياف مختلفة، للوقوف على أبعاد هذه الظاهرة وانعكاساتها على الهوية والواقع اليمني:
د. نبيل عبد المجيد السالمي (باحث في الأنثروبولوجيا والسياسة القبلية) قال: «القبيلة كائن حي مرتبط بالأرض والجبل و المصالح المشتركة لأبنائها، وليست كائناً بيروقراطياً يُدار بالـ "تليكوماند" من فنادق جنيف. عندما يرتدي الشيخ بدلة إيطالية فاخرة ليوقع ميثاقاً قبلياً برعاية سويسرية، فهو لا يمدن القبيلة، بل يخلع عنها رداءها الأصيل ويفرغها من مضمونها الهيكلي والاجتماعي. هذه المواثيق الموقعة في الغرب لا يفهمها حتى "الراعي السويسري"، لأن مفهوم الشرف والنواميس القبلية مرتبط بالعزوة والميدان، لا بقاعات الفنادق المذهبة.»
الأستاذ وضاح فضل الشميري (محلل وسياسي يمني) قال:
«ما يحدث في جنيف هو محض استعراض شكلي و اعلامي لنخب المنفى التي فقدت تأثيرها الميداني. هؤلاء المشايخ لم تعد تربطهم بقبائلهم اليوم سوى صفة اللقب ومصالحهم الشخصية. هم يجتمعون في الخارج ليتفقوا على عدم الاتفاق، بينما أفراد القبيلة الحقيقيون في الداخل يرزحون تحت وطأة ميليشيا الحوثي، يواجهون البطش والفقر وانعدام الخدمات بمفردهم دون أن ينفعهم ميثاق جنيف أو يغير من واقعهم قيد أنملة.»
الأستاذ فؤاد محمد الحداء (ناشط حقوقي وإعلامي)قال:
«الأزمة الحقيقية تكمن في تجارة الألقاب والتكسب باسم المظلومية اليمنية في المحافل الدولية. إن اختيار سويسرا تحديداً –وهي البلد البارد الذي لا يعترف قانوناً بالقبلية ولا يستوعب بنيتها– يعكس الانفصال التام عن الجغرافية اليمنية "أصل العرب". لقد ترك هؤلاء العواصم العربية والإسلامية وقواعدهم الشعبية، وذهبوا للبحث عن شرعية ومظلة دولية تمنحهم وجاهة مجانية، متجاهلين أن الشرعية الحقيقية تُصنع على الأرض وبين الناس.»
الشيخ علي بن ناصر المأربي (أحد أعيان وأبناء القبائل):
«نحن هنا في الداخل ندفع الثمن يومياً من أمننا وقوت عيالنا، ونرى مشايخنا في الشاشات يتباهون بالبدلات والكرفتات في أوروبا ويتحدثون باسمنا! عن أي ميثاق شرف يتحدثون ومن يمثلون؟ الشيخ الذي يترك أهله وقبيلته في أوقات الشدة ليقيم في الخارج لا يملك رأياً ولا قولاً على من هم في أرض الواقع من أفراد القبيلة الواقعين تحت سيطرة ميليشيا الحوثي. الميثاق الحقيقي هو ما يحمي الناس على الأرض، وليس الورق المطبوع في جنيف.»
د. هشام طاهر اليافعي (خبير قانوني ومحلل اقتصادي) قال:
«الجهات المنظمة لهذه القمم والمواثيق غالباً ما تكون تحت مظلات جمعيات أو شركات صوريّة تجني تمويلات هائلة تحت عناوين بناء السلام وفض النزاعات. المأساة هي أن القيادات اليمنية أصبحت أداة في هذه التجارة الشكليّة. تحويل القضايا المصيرية للقبيلة والمجتمع إلى ورش عمل وفنادق فخمة يسهم في تدويل شكلي عقيم، ويصرف النظر عن الحلول الجذرية والعملية التي تتطلب تواجداً وصموداً وقرباً حقيقياً من المواطن.»
الختام:
يجمع المشاركون في هذا الاستطلاع على أن "ميثاق جنيف" ليس سوى فقاعة إعلامية جديدة تضاف إلى سلسلة مؤتمرات المنفى الفاخر.
إن إلباس القبيلة معطفاً إيطالياً وتوقيع وثائقها في أروقة الأمم المتحدة لن يمنح مشايخ الخارج نفوذاً سُلب منهم على الأرض، بل يعمق الفجوة بين الشارع وقياداته، ويؤكد أن الشرف والقبيلة والحلول الوطنية لا تُستورد من سويسرا، بل تُصنع في جبال اليمن ووديانها بين أصحاب القضية الحقيقيين.