تتحطم على صخرة تعز العتيدة كل أوهام السقوط، فهذه المدينة التي ترتدي ثياب العز وتتوشح بقلاع صبرها الأسطوري لا تدافع عن أزقتها وحاراتها المكلومة فحسب، بل تحرس بوابة الأمة الشرقية والجنوبية بأكملها بصدور دافئة وعزيمة صلبة لا تلين أمام عصف الرياح العاتية.
إن محاولات ترويض هذه العاصمة الوطنية عبر صفقات مشبوهة وبيع مجاني للذمم والمواقف لصالح ذراع إيران الغاشم ليست سوى وهم سراب يحاول من خلاله المتاجرون بدماء الشهداء شرعنة الهيمنة الفارسية على مقدراتنا.
إن الخبث الإيراني المتمثل بالحوثي لا يسعى من وراء طرح بدعة تحييد تعز إلى توفير السلام المزعوم، بل يضمر مخططاً استراتيجياً خبيثاً يهدف إلى كسر شوكة تعز وتفريغها من قوتها الضاربة لتصبح الطريق ممهدة وسالكة أمام الميليشيات لابتلاع لحج وعدن وبسط السيطرة الكاملة على الخاصرة الجنوبية لليمن، ومن ثم إحكام الطوق الجهنمي حول ناصية الوطن العربي برمته.
وحين نضع الأمور في نصابها الصحيح، نرى بوضوح حجم السقوط المدقع لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة الشرعية التي تركت تعز وحيدة تُواجه مصيرها في مهب المساومات السياسية الرخيصة، رافضة إمدادها بالتعزيزات العسكرية الضرورية أو فتح بقية الجبهات الأخرى لتخفيف الضغط الهائل المفروض عليها، فلقد بدأوا بما سموه معركة فجر اليمن فكانت النتيجة الحتمية لهذا العجز والتخبط أن وصلنا إلى حصار خانق، وفقدان الكثير من خيرة الرجال والشباب، وضياع الإمكانيات والمديريات، وإصابة الشعب بخذلان مرير من قبل قيادة هشة لا تقوى على تطهير الجسد اليمني من هذا السرطان.
ورغم أن طهران قد دفعت بكل خبرائها وعناصرها إلى الساحة اليمنية لهذه المعركة الفاصلة، وكان بالإمكان سحق هذا المشروع ونمرغه في التراب ونلحق به هزيمة ساحقة لو أن مجلس القيادة والشرعية والتحالف استمعوا لصوت العقل وأعادوا النظر بشكل جذري في الآليات المعمول بها والأدوات الحالية البالية، وتغيير أسلوب إدارة الحرب والدولة بشكل كلي، إلا أن التواطؤ والجمود استمر ليترك اليمن والمنطقة رهينة لهذا الخطر الذي ينخر في جسد الأمة ببطء، وتصبح محاولات إخضاع تعز حلقة جديدة في سلسلة طويلة تستهدف تسليم البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والخليج العربي على طبق من فضة.
إن دماء الشهداء وتضحيات الجرحى وصبر الأمهات في شوارع تعز المحاصرة ليست هباءً منثوراً لكي تُباع في سوق التفاهمات الدولية والإقليمية التي لا تبحث إلا عن مصالح عابرة على حساب دماء الشعوب، وإن الصمت المطبق تجاه ما يجرى يمثل طعنة ناجرة في ظهر الأمة، وكأن المتخاذلين يجهلون أن سقوط هذا الحصن المنيع يعني سقوط البوابة الاستراتيجية الأهم التي تحمى الأمن القومي من التغلغل الفارسي.
ولذلك فإن أي تسوية سياسية لا تنطلق من تثبيت الحقائق على الأرض، ولا تقف عند محاسبة المجرمين وفك الحصار بشكل كامل دون قيد أو شرط، ولا تعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة الوطنية الجامعة، هي مجرد وهم كبير وشرارة لحرب أقسى وأعنف في المستقبل القريب، لأن أبناء تعز ومعهم كل الشرفاء يدركون تماماً أن الباطل مهما تبرج في ثوب المبادرات السلمية يظل باطلاً، وأن الدفاع عن الأرض والعرض والسيادة هو الواجب المقدس الذي لا مساومة فيه ولا تنازل عنه مهما غلت التضحيات وطال ليل الحصار، وأن النصر وليد العزيمة الصادقة والإرادة الصلبة التي لا تهزمها سياسات الخذلان ولا مؤامرات العابثين.