نفى مسؤول سعودي رفيع، الخميس، بشكل قاطع ما نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية بشأن مطالب مالية وسياسية قدمتها ميليشيا الحوثي للمملكة العربية السعودية، مقابل التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب، مؤكداً أن ما ورد في التقرير لا أساس له من الصحة.
وقال وكيل وزارة الخارجية السعودية للدبلوماسية العامة، الدكتور رائد قرملي، في تغريدة على منصة «إكس»، إن المملكة تنفي بشكل قاطع ما نشرته الصحيفة بشأن المطالب التي قدمتها الميليشيا الحوثية، واصفاً تلك المعلومات بأنها «من نسج خيال كاتبي المقال أو مصادرهم المزعومة».
وأضاف قرملي أن الميليشيا انقلبت على الحكومة اليمنية، وتسببت في تجويع الشعب اليمني، وأدخلت البلاد في صراعات وأجندات لا تخدم اليمن وشعبه، فضلاً عن مهاجمة السفن التجارية في الممرات المائية بالبحر الأحمر، والأعيان المدنية والاقتصادية، ورفض جهود السلام.
وشدد المسؤول السعودي على أن اليمن لديه حكومة معترف بها دولياً، في إشارة إلى ما أورده التقرير بشأن مطالبة الحوثيين باعتراف سعودي رسمي بهم حكاماً لليمن.
ويأتي النفي السعودي رداً على تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، نقلت فيه عن أشخاص مطلعين على المحادثات، أن المملكة تواصلت مع ميليشيا الحوثي لمعرفة ما يلزم للتوصل إلى وقف تفاوضي للأعمال القتالية، وأن الرد الحوثي تمثل في المطالبة بمبلغ 51 مليار دولار.
وبحسب مصادر الصحيفة، قال الحوثيون إن هذا المبلغ ضروري لتغطية كلفة سنوات من الضربات السعودية والحصار الطويل، مشيرة إلى أن أرقاماً أخرى طُرحت لاحقاً، لكن الرسالة، وفق التقرير، كانت أن ثمن الخروج من الصراع سيبلغ عشرات المليارات من الدولارات.
كما تحدث التقرير عن مطالبة الحوثيين المملكة بالاعتراف رسمياً بهم حكاماً لليمن، بما يعني، وفق الصحيفة، قبول وجود خصم مسلح مدعوم من إيران على حدودها الجنوبية، إلى جانب مطالب أخرى لتحقيق مكاسب إضافية.
واعتبرت الصحيفة أن هذه المطالب تضع السعودية أمام خيارات معقدة، في وقت تسعى فيه إلى إيجاد مخرج من الصراع الذي بدأ قبل أكثر من عقد، عندما تدخلت المملكة في الحرب الأهلية اليمنية ضد الحوثيين.
وأشار التقرير إلى تجدد المعارك خلال الصيف، مع شن الحوثيين هجمات على منشآت نفطية ومطارات سعودية، بالتزامن مع هجمات أخرى مكّنتهم من السيطرة على مزيد من المناطق الاستراتيجية في اليمن.
وزعم التقرير أن الحوثيين يتقدمون نحو عدن، المدينة الساحلية التي تتخذها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، الحليفة للسعودية، مقراً لها، وأنهم اقتربوا منها مؤخراً إلى مسافة نحو 50 ميلاً، في أقرب نقطة يصلون إليها منذ عام 2015، حين سيطروا على أجزاء من المدينة.
ووفقاً للصحيفة، استهدفت ضربات حوثية متكررة داخل اليمن مناطق كان من الممكن استخدامها نقاطَ تجمع أو مراكزَ قيادة لأي هجوم بري قد يشنه التحالف بقيادة السعودية. وشملت تلك الضربات هجوماً في محافظة شبوة، قالت الصحيفة إنه أسفر عن مقتل 75 شخصاً على الأقل وإصابة أكثر من 200 آخرين، في واحدة من أكثر الهجمات دموية منذ تجدد الحرب الأهلية.
ونقلت الصحيفة عن ديفيد دي روش، العقيد المتقاعد في الجيش الأمريكي الذي درّب ضباطاً في جيوش دول الخليج العربية، بينها السعودية، قوله إن الحوثيين يستخدمون صواريخ باليستية قصيرة المدى لمهاجمة مناطق مثل عدن، وإن إعلانهم قدرتهم على استهداف المدينة يجعل نقل قوات برية وعناصر أخرى إلى داخل اليمن أمراً أكثر صعوبة بالنسبة للتحالف.
وفي سياق متصل، نقل التقرير عن مسؤولين سعوديين قولهم إن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يدرك حجم التحدي الذي تواجهه المملكة، لكنه لا يريد الدخول في مفاوضات شاملة مع الحوثيين من دون تحقيق مكاسب ميدانية في اليمن يمكن استخدامها أوراق ضغط خلال أي محادثات.
وأشار المسؤولون إلى أن الجيش السعودي شن غارات جوية متكررة على الحوثيين، الذين اتهموا بدورهم بشن هجمات لم يحددوا طبيعتها استهدفت مسؤولين تابعين لهم في صنعاء، العاصمة الخاضعة لسيطرة الجماعة.
وبحسب التقرير، يخشى ولي العهد أن يؤدي إرسال مزيد من القوات السعودية إلى اليمن إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى وإثارة غضب داخلي، مشيراً إلى سقوط عشرات الضحايا بالفعل، من دون إعلان السلطات السعودية عنهم رسمياً.
ونقلت الصحيفة عن ماجد المذحجي، المحلل اليمني والشريك المؤسس لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، قوله إن المطالب المالية الحوثية تثير مخاوف من تعرض المملكة للابتزاز مراراً في المستقبل.
وأضاف المذحجي أن الجانب المالي قد يكون أقل ما يقلق السعوديين، مقارنة بمخاطر ترسيخ سابقة تتيح للجماعة التصعيد عسكرياً كلما أرادت انتزاع تنازلات أو الحصول على أموال إضافية.
وفي ما يتعلق بالتحركات الإقليمية، أشار التقرير إلى أن محللين يرون حاجة السعودية إلى مساعدة حلفائها في اليمن لتصعيد الضغط الميداني على الحوثيين، غير أن خياراتها لا تزال محدودة.
وأوضح أن الإمارات، التي كانت أبرز حليف خارجي للمملكة في اليمن، انسحبت بالكامل من الحملة المناهضة للحوثيين في ديسمبر/كانون الأول الماضي، عقب خلاف مع الرياض، فيما تدعم أبوظبي قوات تسعى إلى إقامة دولة مستقلة في جنوب اليمن، وهو ما يتعارض مع هدف السعودية المتمثل في الحفاظ على وحدة البلاد.
وبلغ التوتر بين البلدين ذروته بعدما قصفت الرياض ما وصفته بأنه شحنة أسلحة لحلفاء الإمارات.
وأضافت الصحيفة أن السعودية اتجهت بدلاً من ذلك إلى طلب الدعم من خلال ما وصفته بـ«اتفاق مكة» الجديد مع تركيا وباكستان، والذي ينص على أن الهجوم على أحد أطرافه يُعد هجوماً على الجميع.
لكن التقرير أشار إلى أن البرلمان التركي لم يقر الاتفاق بعد، فيما رفضت باكستان، التي أرسلت قوات إلى السعودية على مدى سنوات، المشاركة في أي ضربات داخل اليمن.
وفي السياق ذاته، وافق البرلمان المصري في أكتوبر/تشرين الأول على تقديم دعم عسكري للسعودية، غير أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أكد أن أي مهمة ستكون دفاعية فحسب.
أما الولايات المتحدة، فقد امتنعت حتى الآن عن تقديم دعم مباشر ضد الحوثيين، بعد أن خاضت حملة عسكرية ضد الجماعة استمرت أسابيع خلال عام 2025.
ولفت التقرير إلى عدم وضوح العوامل التي قد تدفع هذه الدول إلى الموافقة على المشاركة في مهمة هجومية ضد الحوثيين، خصوصاً مع استمرار تهديد الجماعة للملاحة في البحر الأحمر.
كما نقل مخاوف محللين أمنيين من أن يؤدي تجدد حملة أمريكية ضد إيران إلى دفع طهران للضغط على الحوثيين، الذين تسلحهم منذ سنوات، لتكثيف هجماتهم في أنحاء المنطقة.
وفي الأثناء، أشار التقرير إلى استمرار الهجمات الحوثية التي تستهدف السعودية، مستنداً إلى بيانات منظمة «أكليد»، التي قال إنها سجلت 26 حادثة داخل المملكة خلال الأيام القليلة الماضية وحدها.
وتطرق التقرير إلى اتساع مساحة السعودية، التي تبلغ ثلاثة أمثال مساحة ولاية تكساس الأمريكية، وما يفرضه ذلك من تحديات على منظومات دفاعها الجوي، في ظل حاجتها إلى استخدام مخزونها من صواريخ «باتريوت» الأمريكية وغيرها من الصواريخ الاعتراضية للتصدي للتهديدات القادمة من إيران شرقاً، والميليشيات الشيعية العراقية شمالاً، والحوثيين جنوباً.
ونقل عن دي روش، الذي درّب ضباطاً سعوديين في مجال الدفاع الجوي، قوله إن المملكة ردت على الهجمات بغارات جوية، لكن قدرتها على تحقيق نتائج من خلال هذا النوع من العمليات تظل محدودة.
وختم العقيد الأمريكي المتقاعد بالقول إن ما تحتاج إليه السعودية فعلياً هو ممارسة ضغط بري، لكنها لا تملك القدرة على توفير القوات اللازمة لذلك.