العين الإخبارية - منى أبو النصر

غلاف كتاب "جبل الرمل"
تروي المُصورّة رندا شعث في سيرتها الذاتية "جبل الرمل" تاريخا مُرصعًا بالذكريات، تتوقف مليًا في رحلة صعودها لهذا الجبل لتتأمل الوجوه، الحكايات، الأصوات، وحتى الأشجار والمذاقات، تحمل كل منها ملمحًا وخصوصية لا تشبه غيرها بداية من سنوات طفولتها الأولى مرورًا برحلتها في الحياة والمكان والتصوير الفوتوغرافي لأكثر من 30 عامًا.
الفلسطينية المصرية رندا شعث مُصورة فوتوغرافية حُرة تقيم في القاهرة، لها باع طويل في العمل بمجالي التصوير الصحفي والتدريب، عملت مع عدة صحف عالمية وعربية أبرزها "الأهرام ويكلي" و"الشروق". ويعد "جبل الرمل" كتابها الرابع بعد "وطني على مرمى الحجر"، و"مصر أم الدنيا"، و"تحت سماء واحدة".
تستهل شعث فصول سيرتها الذاتية الصادرة أخيرًا عن دار "الكرمة" للنشر بالقاهرة، برحلة عائلتها المتكررة إلى "المندرة" بالإسكندرية، حيث بيت جدتها لأمها "تيتة فاطمة"، التي ارتبطت في ذاكرتها بالعُطلات وانطلاق الصيف.

بالنسبة إلى الطفلة ذات الجديلتين التي كانتها، تبدو المندرة هي الإسكندرية كلها، هي البحر والرمل، وربما مرادف للفرح نفسه. وتظل سيرة الجدة "فاطمة" الأكثر حضورًا في ذكرياتها، حتى أنها أهدت الكتاب لها، فهي الحضور الطاغي للونس، والمحبة والدفء.
تستدعي رندا تفاصيل وظروف ولادتها في الولايات المتحدة وسط عاصفة ثلجية ما ضاعف من صعوبة ظروف ولادتها، والدها السياسي الفلسطيني نبيل شعث كان يحضر في تلك الفترة رسالة دكتوراة في الاقتصاد، وبعد حصوله عليها غادروا الولايات المتحدة وهي بعمر 3 سنوات ونصف، تفهم العربية ولا تتحدثها، تتمتع بتدليل العائلتين فهي الحفيدة الأولى لعائلتي أمها المصرية ووالدها الفلسطينية.
تتذكر الراوية في الكتاب ملامح جدتها لأبيها سميحة، وهي تغني لها أهازيج طفولتها في لبنان، تفيض رندا في ترديدها حتى تكاد تستمع لصوت الجدة وهي تدندن "كبيبة يا كبيبة إن شالله تضلي طيبة"، هكذا تتذكر ها.
أيضا تتذكر الجد الذي مات بعد أشهر من ولادة أخيها الصغير علي: "مات جدي بعد شهور من فرحة ولادة ولي العهد.النكسة أكدت غربته، كان يحلم بالعودة إلى فلسطين".
تنفذ شعث إلى هموم الوطن والاغتراب في ثنايا حكاياتها التي تحتفي بالحياة. في "جبل الرمل" المُجاور لبيت جدتها كانت لها حكايات مع ونس العائلة وألعاب الطفولة التي تدور بين شجر التوت والكافور.

تمر السنوات وترحل والدتها وتظل رحلة المندرة وجبل الرمل متواصلة، تحتفي بها الجدة والدة أمها الراحلة في كل مرة تذهب إليها، تُعد لها الكُحل، وخيرات البط وزغاليل الحمام التي كانت تربيها في الحديقة الخلفية، تتذكر رحلة بيروت مع والديها التي عبرتها بالسفينة من الإسكندرية عام 1969.
أيضا تتذكر التحاق والدها بمنظمة التحرير الفلسطينية وهو أستاذ في الاقتصاد بالجامعة الأمريكية ببيروت، وتظل الإجازات الصيفية على حالها في بيت جدتها لأمها في المندرة بالإسكندرية فيما ندر من زيارات لا يتمكنون فيها من مغادرة بيروت.
تنتهي محطة بيروت التي تغادرها بصندوق ذكريات زينته بزهور جاردينيا مطبوعة، جمعت فيه رموز ما تبقى من ذكريات طفولتها هناك، تقول: "لم يخطر ببالي أن يصبح هذا الصندوق كل ما تبقى لي من سنوات طفولتي في بيروت، باستثناء ذكريات تومض في خيالي من حين إلى آخر وتظهر لي أحلامًا لانهائية، تصنع كحك العيد ومربى الفواكه، تقلي الطعمية الساخنة، وتحضر لها الكُحل في مكحلة نحاسية".
وفي مشهدية بالغة الحساسية تسأل الخالات الأربعة رندا عن شيء تريد الاحتفاظ به من بيت جدتها فاطمة قبل تفريغه استعدادا لهدمه، فتختار رندا مرآة خشبية على شكل قوقعة التي كانت تضعها جدتها في الصالة.
فيها تظل ترى طيف الجدة التي رحلت، تُطالع انعكاس صورتها وصورة جدتها وهي تحكي الحكايات ومن خلفها صوت البحر، وملايين الصور التي تحرسها المرآة، تقول عن المرآة: "حلمت أن تكون حفظت لي الضحكات والونس".
