العين الإخبارية - محمد طلعت
فوجئ حسام عند دخوله محل السوبرماركت القريب من منزله بالبائع يبتسم في وجهه، ويرحب به بحرارة، وعندما ظهرت عليه علامات الاندهاش، لم يتردد البائع في إخباره بالسبب.
قال البائع ببساطة: "إننا نشكر فيروس كورونا وحظر التجوال لأنه ساعدنا في التعرف على الكثير من الجيران، لا سيما الرجال منهم، والذين لم نكن نعرفهم على الإطلاق بسبب انشغالهم الدائم طوال الوقت في أعمالهم".
ابتسم حسام عبدالعزيز، وهو محام في العقد الخامس من عمره، مقتنعا بما قاله البائع، الذي اعتاد أن يتعامل طوال الوقت مع الأطفال أو السيدات أو عبر الهاتف لتوصيل الطلبات إلى المنازل.
ويقول حسام: "أعتدت الانشغال في العمل لأني أعمل محاميا، أذهب إلى المحاكم صباحا وأعمل في مكتبي مساء، أو على الأقل كانت هكذا الأمور تجري قبل أن تصطدم حياتنا بأزمة فيروس كورونا، وكنت أعود إلى المنزل في ساعة متأخرة من المساء".
وأضاف أن فرض حظر التجوال وتعليق العمل في المحاكم جلعه يتعرف أكثر علي الجيران، سواء داخل العقار الذي يسكنه أو سكان العقارات المجاورة، بل أن الأمر امتد إلى استعانة بعض الجيران به في بعض المهام المتعلقة بالقضاء والشؤون القانونية.
لم يكن حسام هو المصري الوحيد، الذي أدرك أن حظر التجوال، الذي فرضته مصر منذ نحو 3 أسابيع، قد ساهم في تغيير خريطة علاقاته الاجتماعية.

وفرضت مصر حظر التجوال الجزئي في 24 مارس/آذار ليكون من الساعة 7 مساء حتى 6 صباحا، ثم قللت ساعات الحظر بعد ذلك لتكون من 8 مساء، في إطار الجهود الرامية إلى احتواء انتشار فيروس كورونا الجديد (كوفيد 19)، والذي أصاب حتى الآن نحو 2500 شخص، شفي 514 منهم، وتسبب في وفاة 178 آخرين.
وعن تأثير فترة الحظر على العلاقات الاجتماعية للمصريين، يقول حسين شحاتة، وهو موظف متقاعد كان يعمل في وزارة الكهرباء المصرية، إنه لم يشهد أجواء كتلك من قبل.
ورغم حالة الذعر التي يحملها فيروس كورونا إلى مختلف أنحاء العالم يرى "عم حسين" أن فترة حظر التجوال ساهمت في إعادة علاقاته الحيوية بأبنائه وأقاربه.
ويقول لـ"العين الإخبارية": "بالرغم من التحذيرات والإرشادات الوقائية التى تحرص على التباعد بين الأشخاص حرصا على سلامتهم، إلا أنني وجدته يحقق التقارب بين الناس، خاصة بالنسبة للأقارب والأهل، فاقتربنا من بعضنا البعض عاطفيا دون أن ندري، ورغم التباعد الفعلي".
ويضيف: "أصبح ضقيقي وشقيقتي يتصلان بي من يوم لآخر، وحتى أبنائهما باتوا يتصلون بي للاطمئنان على صحتي، دون أن تنتهي أية مكالمة بدون توصية صحية أو وصفة طبية للحفاظ على سلامتي بعيدا عن شرور كورونا".

ويتابع: "اعتقد أن توقف طاحونة الحياة في الثامنة من مساء كل يوم، أتاح الوقت الكافي لتذكير الكثيرين بأن لهم أقارب وأن هناك أرحاما يجب أن توصل".
ويزيد "عم حسين" في الأمر بالحديث عن ابنه "خالد"، الذي يعمل في إحدى شركات التسويق، وكان يجد صعوبة في الجلوس والحديث معه بسبب انشغاله الدائم، رغم أنه يسكن في الطابق الذي يعلوه بنفس المبنى.
ويقول: "الآن أصبح خالد يمر للاطمئنان علي صحتي كل يوم، وأصبحت اتحدث معه أكثر مما كان عليه الأمر في السابق كثيرا، وكل هذا بسبب الحظر".
ويخضع تقريبًا أكثر من نصف سكان الأرض لإجراءات العزل الاجتماعي وحظر التجوال الكلي أو الجزئي في إطار الجهود المبذولة لاحتواء انتشار فيروس كورنا الجديد (" كوفيد ١٩)، الذي أصاب أكثر من مليوني إنسان في مختلف أنحاء العالم، وقتل أكثر من ١٢٠ ألفا آخرين.
أما سيدة متولي، وهي بائعة خضروات في العقد الخامس من عمرها، فبدت مبتهجة بالحظر، وهي تقول، "لم أكن أعرف أن الحظر حلو بهذا الشكل لأنه أعاد أولادي إلى حضني".
وتضيف أن حظر التجوال جعلها ترى أبنائها يوميا بشكل منتظم، بداية من الساعة الثامنة، التي يبدأ فيه منع التجوال، مشيرة إلى أن ابنها الأكير يعمل سائق ميكروباص، واعتاد العمل يوميا منذ الصباح وحتى المساء، وبعد انتهاء عمله يجلس يوميا مع أصدقائه على المقهى.
وأوضحت أن ابنها الآخر "إبراهيم"، الذي لم يكمل العشرين عاما، يعمل سائق "توك توك"، وكان يسير على نفس درب شقيقه الأكبر.
وتقول: "الآن الأمور تغيرت، وأصبح أبنائي أمام عيني منذ الساعة الثامنة يوميا.. ربنا يبارك في الحظر".