لم يكن إعلان رئيس الوزراء الصومالي السابق حسن علي خيري، السبت، ترشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة المقرر عقدها في 8 فبرير/شباط المقبل، خطوة مفاجئة شعبيا أو بين الأوساط السياسية.
ويعد خيري، رئيس الوزراء التاسع عشر للصومال، وصاحب أطول فترة حكم من بين هذا الجمع الذي شغل هذا المنصب منذ استقلال البلاد عام 1960، تاركا المكتب في 26 يوليو/تموز الماضي.
ولد حسن علي خيري عام 1968 في مدينة عيل بور بوسط الصومال، وتلقى تعليمه الأساسي والثانوي في مقديشو، بينما تلقى تعليمه الجامعي بالنرويج وبريطانيا، ويحمل درجة ماجستير في إدارة الأعمال في جامعة "هاريوت وت" بإسكتلندا، ودرجة بكالوريوس في العلوم السياسية والاقتصاد بجامعة "أوسلو".
شغل خيري في المنظمات الإنسانية الأوروبية المرموقة حيث عمل منذ عام 2000 مناصب عدة في منظمة المجلس النرويجي للاجئين حتى أصبح عام 2011 المدير الإقليمي في القرن الأفريقي، وكانت مهمته تشمل في ذلك الوقت القرن الأفريقي إضافة إلى دول جنوب السودان وأوغندا واليمن.
ويعد خيري مزدوج جنسية حيث يحمل الجنسيتين الصومالية والنرويجية وقضى فترات طويلة من وقته في المملكة المتحدة.
في عام 2014 أصبح مديرا تنفيذيا لشركة "صوما أويل آند جاز" في أفريقيا، وهي شركة بريطانية خاصة تعمل لاستكشاف النفط والغاز في الصومال.
ووفق وسائل إعلام صومالية فإن خيري يملك أسهما بقيمة تتراوح ما بين 3 إلى 5 ملايين دولار في الشركة.
ولم يسبق لخيري أن شغل منصبا سياسيا قبل تعيينه في 23 من فبراير/شباط عام 2017 رئيسا لوزراء الصومال .
إنجازاته على رأس الحكومة
يعد خيري أطول رئيس وزراء فترة للصومال حيث قضى ثلاث سنوات ونصف على هرم السلطة التنفيذية في البلاد، ولم تكن فترة قيادته للعمل الحكومي وردية بالتمام والكمال لكنه يعد واحدا من أنشط المسؤولين الذين مروا على تاريخ البلاد.
عمل خيري فترة حكمه على ملفات الأمن والاقتصاد وحقق نتائج ملموسة حيث قام بعمل ما سماه بـ"المسارات الوطنية الأربعة" لترسيم العمل الحكومي على 4 مسارات للتركيز عليها وتوجيه الموارد البشرية والمالية المتاحة لإصلاحها.
وهذه المسارات تشمل الأمن والعدالة، والتنمية الاقتصادية، والشؤون الاجتماعية والسياسة الشاملة، وهي المسارات التي وضعها لتوحيد الجهود الحكومية والشعبية معا للوصول إلى نجاحات وطنية ملموسة فيها.
وحول مسار الأمن والعدالة قام خيري بعملية إصلاح واسعة في المؤسسة العسكرية وذلك عبر تطبيق التسجيل البايومتري (أخذ البيانات الحيويه التي تشمل البصمة والصوره الشخصية)، لعناصر الجيش، وفتح حساب بنكي لمنتسبيه بهدف حصولهم على مستحقاتهم في وقتها وقطع الطريق على سرقة القيادات العليا لرواتب العسكريين.
أما في مسار التنمية الاقتصادية، فقد قاد خيري مفاوضات إعفاء الديون الخارجية عن الصومال مع المنظمات المالية الدولية، وأبرزهما البنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية.
وخلال فترة وجيزة نالت جهود إصلاح النظام المالي للبلاد ثقة هذه المؤسسات المرموقة وقامت بعض الدول، من بينها الولايات المتحدة، بإعفاء الصومال من دفع ملايين الدولارات.
وحول مسار الشؤون الاجتماعية، فقد قاد خيري عبر وزارة الخارجية الصومالية مساع جادة لفتح محادثات مع مختلف دول العالم لإطلاق سراح الصوماليين المعتقلين في سجون العالم وإعادتهم إلى بلادهم وقد استفاذ من تلك الحملات آلاف المواطنين.
وبشأن السياسة الشاملة فقد عمل خيري على بناء إدارة موحدة لولاية غلمدغ التي كانت سابقا مقسمة لثلاث إدارات ونجح في ذلك وعمل في الفترة الأخيرة على تقريب وجهات النظر بين الرئيس محمد عبدالله فرماجو ورؤساء الولايات الإقليمية للتوصل إلى تسوية بشأن القضايا العالقة وأبرزها الانتخابات بطريقة تخدم الاستقرار السياسي للبلاد.
دلالات توقيت الترشح
وكان من المنتظر وصول هذا الإعلان إلى آذان الصوماليين نظرا للطريقة التي تم تنحيته بها عن السلطة عن طريق سحب الثقة منه في خطوة لم تستوف الإجراءات القانونية اللازمة وأقر بذلك نفسه مؤكدا أنه كان يعد نفسه لهذه المرحلة الصعبة.
وفي 8 من سبتمبر/أيلول الجاري أعلن مجلس الوزراء الصومالي في حكومة تصريف الأعمال تشكيل "لجنة لمكافحة الفساد"، في خطوة يرى المراقبون أنها جاءت لابتزاز شخصيات بارزة وإلصاق تهم فساد لهم ضمن حملة دعائية سيشنها فرماجو في الأسابيع المقبلة على سياسيين بارزين لأغراض سياسية يتقدمهم حسن علي خيري.
لكن خطوة إعلان الترشح للانتخابات الرئاسية تعد استباقا لهذه المؤامرة التي أصبحت دون جدوى بعد هذه الخطوة وأن أي تهم قد توجه له في الأيام المقبلة ستكون دعاية انتخابية غير مجدية لفرماجو.
وأطاح البرلمان الصومالي بـ"خيري" في 25 يوليو/تموز المنقضي ، بعد خلافه مع الرئيس فرماجو بشأن كيفية معالجة الانتخابات، ما دفع أنصار الرئيس الصومالي إلى وصفه بالخائن في إطار سعيه الترشح للانتخابات الصومالية عام 2021.
الفرص والتحديات
ويتمتع خيري بسمعة طيبة لدى المجتمع الدولي (الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة وبريطانيا)، وهذه الجهات التي تضبط إيقاع السياسة الصومالية وصناع القرار في المشهد، ونيل ثقة تلك الجهات ليست بالأمر الهين ويعد فرصة كبيرة لنيل منصب الرئاسة في البلاد.
ومنحت طريقة سحب الثقة من خيري تعاطفا شعبيا ناله من خلال عزله وخروج قبيلته "هوية" التي ينحدر منها، وتضم عشائر قوية على غرار مودولود وهبرغدر، لمؤازرته رفضا للسلوك الذي تعامل به فرماجو مع خيري رغم العمل الجيد الذي قام به خلال السنوات التي أمضاها على رأس الحكومة.
وجاء تخليه عن نظام فرماجو في مرحلة مفصلية تأرجحت ما بين المشاركة في تعزيز خسائر الشعب الصومالي بتمديد فترة بقاء فرماجو بالحكم أو إنقاذ البلاد من الفوضى السياسية ورفض مخططات فرماجو والوقوف إلى جانب الشعب الصومالي الذي يطالب بإجراء الانتخابات في موعدها وفق نظام توافقي.
وفي تصريحات علنية بإحدى جلسات مجلس الوزراء الصومالي، في بداية يوليو/تموز الماضي حذر خيري من مخاطر التمديد لفرماجو، قائلا: "إنه يورث البلاد أزمات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية".
ويواجه خيري تحديات أبرزها عدم انتمائه لأي تحالف سياسي سواء من المعارضة أو الحكومة حاليا وعلاقته غير الجيدة مع البرلمان الصومالي الذي سيحدد في صندوق التصويت من يكون رئيسا للصومال في فبراير/شباط 2021 .
كما يواجه غموضا بشأن موقف الولايات الإقليمية عن شخصيته كمرشح لرئاسة البلاد، رغم أنه في فترة حكمه كشخص كان يتمتع علاقات طيبة مع جميع رؤساء الولايات لكن كان يخدم كرئيس لحكومة فرماجو التي أضرت الولايات الإقليمية كثيرا.
عقبة أخرى، هي أن خيري لم يشغل باله بتشكيل جبهة مساندة له داخل المشهد السياسي خلال فترة خدمته في المنصب الرفيع حيث كان مهموما فقط بجدول أعمال المكتب دون اكتراث للحسابات السياسية القادمة في نهاية المرحلة.
أخيرا، المرشح الرئاسي حسن علي خيري كسياسي وناشط في العمل الخيري ورجل أعمال ناجح كان لديه الإنسيابية للعيش مع اللحظة في عهدة ااجغتراب التي عاش متنقلا بين لندن وأوسلو ومنعطفات السياسة داخل الصومال كناشط وكرئيس وزراء.
لكن الظفر بمنصب رئيس الصومال في انتخابات غير واضحة المعالم بقي عليها 4 أشهر فقط سيعتبر تحديا صعبا إذا ما تم تجاوزه بسلام فإنه سيحجز مكانه بين الأرقام الصعبة ذات الوزن في كفة السياسة.