كتب:د.مروان الغفوري
لا بد من القول إنه مسلم. لا بد من هذه الإشارة، وهذا وقتها ومكانها.
في يناير الماضي قرأ "ساهين" مقالة على لانسيت، المجلة العلمية المرموقة. كانت المقالة تدور حول فيروس كوف سارس 2، أو كورونا المستجد. انتابه الفزع، شعر بأن البشرية على الحافة. كانت المقالة مقنعة لدرجة أنه صدّق تماماً أن الخطر الذي يجري في "ووهان" سيصل إلى كل العالم.
في اليوم الذي أعلنت فيه فرنسا تسجيل أول حالة في البلاد وفي عموم أوروبا دعا ساهين 40 من الذين يعملون له في شركته BioNtech في مدينة ماينز القريبة من فرنكفورت. طلب منهم إلغاء إجازاتهم وعرض عليهم مقابلاً مالياً.
انطلق الفريق في عمله، واختار طريقاً صعباً لم يسبق أن سلكه أي لقاح في التاريخ: الحمض النووي RNA. قاموا بحقن خلايا معينة [خلايا عضلية وغيرها] بأجزاء من الحامض النووي للفيروس متخصصة في صناعة التاج الفيروسي [الزوائد البروتينية التي تعطيها شكل التاج]. الخلايا التي حقنت بالحامض النووي قامت بصناعة البروتين الفيروسي وأرسلته إلى سطحها. حقنت الخلايا في أجساد القوارض [فئران]، فلاحظ فريق "ساهين" أن جهاز المناعة استجاب لذلك الغزو على مستويين: الأجسام المضادة والخلايا المناعية تي.
أصبح لدى الفريق حوالي 22 احتمالاً ل22 لقاحاً.
جلس ساهين مع فريقه وقال لهم:
علينا أن نسرع، نحن بحاجة إلى شريك كبير.
أرسل خطاباً إلى رئيس شركة فيزر [بينهما مشروعات إنتاج لقاحات، مثل لقاح الانفلونزا الذي يعملان عليه منذ 2018]. على الفور وافقت فايزر على الشراكة. وفي مارس أعلن الطرفان، في بيان موحد، الشراكة.
انطلقت الشركتان في بحث مشترك، دخلتا في المراحل من الأولى إلى الثالثة. تنبه ترامب لما تقوم به الشركتان وعلى الفور أعلن عن عقد شراء هو الأكبر [يوليو، 2020] ودعماً فيدراليا في حدود ال2 مليار دولار..
الدكتور بورلا، مدير فايزر، يعمل من نيويورك.
ساهين من فرانكفورت.
بين يوم وآخر يمسك ترامب بالتلفون ويهاتف الدكتور بورولا:
- كم بقي على اللقاح؟
يرد عليه الدكتور بورلا:
سيخرج في الوقت المناسب. نحن نعمل بأقصى سرعة يسمح بها العلم.
ضاق ترامب ذرعاً بتلك المراوغات فأعلن على الملأ:
دوافع سياسية تبطئ عملية إنتاج اللقاح.
دخلت الشركتان في ورطة، وعلقتا في الصراع السياسي الأميركي بكل ضراوته. كان ترامب في مسيس الحاجة لوعد من فايزر يقول إن اللقاح سيكون جاهزا قبل موعد الانتخابات. أو على الأقل: انتهاء المرحلة الثالثة.
ما الذي فعلته فايزر؟
أجلت الإعلان حتى انتهاء الانتخابات. لقد حرمته من كلمة السر في ذلك الصراع الضاري.
أي: تركته يسقط.
تقول بيانات المرحلة الثالثة [اتسعت التجربة ل 44 ألف متطوع] إن اللقاح يحقق معدل حماية يصل إلى 90 في المائة. هذه نسبة عالية ومفاجئة نعرفها في اللقاحات الأكثر استقراراً مثل الحصبة والأمراض الستة الكلاسيكية.
"إنها لحظة تاريخية"
قالت كاترين جانسين، رئيسة فريق تطوير اللقاح.
"إنه يوم عظيم للعلم والإنسانية"
قال الدكتور بورلا، الرئيس التنفيذي لفايزر.
نجح ساهين، الألماني ـ التركي، في مغامرته العلمية المذهلة
وها هي البشرية في طريقها لوضع حد لثاني الفيروسات، بعد أن أخرجت الرجل البرتقالي البغيض من قوته.
م.غ