عد تنازلي لمهلة أخيرة وحاسمة في إقليم تيغراي، فالمطلوب أن يستسلم قادة الإقليم لصالح الجيش الإثيوبي الذي يضيق الخناق على العاصمة ميكيلي، فرئيس وزراء البلاد، أبيي أحمد، يقول إنها "فرصتهم الأخيرة"، لكن المحاصرين يؤكدون أنهم "مستعدون للموت".
ويخيم جو من التوتر والترقب على إثيوبيا، حيث تخشى منظمات إنسانية من سقوط أعداد لا تحصى من القتلى بين المدنيين، الذين يفر بعضهم إلى السودان خوفا مما ستجلبه أيام ما بعد "الفرصة الأخيرة".
وقالت الحكومة، الثلاثاء، إن من وصفتهم بجنود "العدو" يستسلمون بينما تتقدم القوات الاتحادية صوب عاصمة الإقليم، لكن سكان تيغراي ذكروا أنهم يقاومون وأنهم دمروا إحدى فرق الجيش البارزة.
ونجحت القوات الاتحادية التابعة في السيطرة على سلسلة من البلدات من خلال القصف الجوي والمعارك البرية، وتتجه حاليا صوب ميكيلي، وهي مدينة جبلية يقطنها نحو 500 ألف نسمة ويتمركز فيها المتمردون.
ويقول المحلل السياسي الإثيوبي، جمال بشير، لـ"موقع الحرة" إنه حسب المعلومات المتاحة فإن هناك انشقاقات داخل قوات جبهة تحرير تيغراي وأن بعضها يريد الاستسلام للحكومة المركزية لكن بشروط.
وأضاف أن بعضهم وضع شروطا مقابل استسلامه منها عدم سجنه، وبعضهم طالب بالسفر إلى خارج البلاد وبعضهم طالب بالسفر إلى أماكن محددة كالولايات المتحدة، مشيرا إلى أن كثيرا من هذه المطالب لن يستجاب لها من قبل حكومة أبيي أحمد.
ويتوقع بشير أنه إذا ثبت صحة ما يشاع عن عمليات استسلام "فقد يمنح رئيس الوزراء مهلة ثلاثة أيام أخرى للوصول إلى حلول بشأن استسلام الجنود".
منطقة تيغراي الإثيوبيةوتسيطر الحكومة الفدرالية على الإعلام ولا تتوفر إلا المعلومات التي يذيعها التلفزيون الرسمي حول العمليات الجارية. وصعّب قطع الإنترنت والاتصالات الهاتفية في تيغراي من إمكانية التأكد من الوضع هناك.
لا تراجع ولا استسلامتعتبر أديس أبابا أن "العملية العسكرية" التي أطلقتها السلطات الفدرالية الإثيوبية في الرابع من نوفمبر ضد "جبهة تحرير شعب تيغراي" التي تتولى السلطة في إقليم تيغراي، دخلت مرحلة حاسمة.
وردّ رئيس تيغراي وزعيم "جبهة تحرير شعب تيغراي" ديبريتسيون جبريمايكل على هذه المهلة بالقول "إننا شعب له مبادئه ومستعد للموت".
مخلفات الحرب الدائرة في شمال إثيوبيا بين القوات الحكومية وأقلية التيغرايويقول الباحث السياسي الإثيوبي، عمر رادي، لـ"موقع الحرة" إن جبهة تحرير تيغراي منذ أكثر من عامين وهي تبذل كل الجهود لتقويض الحكومة الفيدرالية وتشويه سمعة إدارة أبيي، والمواجهة العسكرية نتيجة ذلك، خاصة بعد أن هاجموا القيادة الشمالية للجيش الإثيوبي".
وبلغ التوتر بين أديس أبابا وجبهة تحرير شعب تيغراي التي سيطرت لقرابة ثلاثة عقود على الجهاز السياسي والأمني الإثيوبي، ذروته عندما أجرت تيغراي انتخاباتها بشكل أحادي في سبتمبر، بعدما قررت أديس أبابا تأجيل الانتخابات التي كانت تنتظرها للإطاحة بحكومة أبيي أحمد، جرّاء فيروس كورونا المستجد.
واعتبرت أديس أبابا أن حكومة تيغراي غير شرعية، ما دفع بالأخيرة لسحب اعترافها بإدارة أبيي.
وقطعت الحكومة الفدرالية التمويل عن المنطقة ما اعتبرته جبهة تحرير شعب تيغراي "عملا حربيا".
وبرر رئيس الوزراء الإثيوبي إرسال الجيش إلى تيغراي متهما جبهة تحرير شعب تيغراي بأنها هاجمت قاعدتين للجيش الفدرالي في المنطقة، الأمر الذي تنفيه سلطات تيغراي.
وتعتزم الحكومة الإثيوبية عازمة على كسب المعركة العسكرية بدلا من التفاوض، بحسب رادي الذي يقول، "لم يكن أي زعيم ليتفاوض بعد مهاجمة القيادة الشمالية للجيش. إذا قرر التفاوض بعد كل هذا، فستكون نهايته حرفيا وهو يعرف ذلك".
وأضاف "لن يقبل الجيش بالتفاوض وسيفقد ثقة ودعم قاعدة دعمه الرئيسية بما في ذلك بعض الحلفاء الرئيسيين في إدارته والمناطق الحساسة مثل أمهرة. ومن ثم، فإن التفاوض بطبيعة الحال ليس خيارا للحكومة الفيدرالية على الإطلاق".
خوف من الانقسام وتحذير من انهيار مشروع الإصلاح.. المواجهة تشتد في إثيوبياانقطاع للاتصالات، وتعتيم إعلامي، وآلاف النازحين، هذا هو الحال في إقليم تيغراي شمال إثيوبيا خلال الحرب الطاحنة الدائرة بين الحكومة الفيدرالية وسلطات الإقليم الذي يطالب بالانفصال، في صراع قد يطول ما قد يتسبب في كارثة إقليمية، بحسب خبراء لـ"موقع الحرة". ضغوط دوليةوازدادت الضغوط الدولية، الثلاثاء من أجل الوساطة وحماية المدنيين في إقليم تيغراي، مع اجتماع مغلق مقرر لمجلس الأمن لمناقشة النزاع، لكن بشير يرى أن الضغوط "كانت من الممكن أن تكون مخيفة إذا نجح الاجتماع، لأنني كما سمعت أن هذا الاجتماع تأجل بعد انسحاب أربع أو خمس دول".
وفي وقت سابق، الثلاثاء، قال دبلوماسي إفريقي لم يشأ كشف هويته إن "جنوب إفريقيا والنيجر وتونس وسانت فنسنت وغرينادين" التي كانت طلبت عقد هذا الاجتماع المغلق، "سحبت طلبها لأن الموفدين (الأفارقة) الذين تم اختيارهم لم يتوجهوا بعد الى إثيوبيا".
وأضاف أن "من الضروري منح الجهود الإقليمية التي بدأت مزيدا من الوقت".
لكن مصادر دبلوماسية، أفادت بعد ذلك أن مجلس الأمن أبقى اجتماعه المغلق المقرر الثلاثاء لمناقشة النزاع في اقليم تيغراي في شمال اثيوبيا بناء على إصرار أعضائه الأوروبيين.
وقال دبلوماسي أوروبي لم يشأ كشف هويته إن أعضاء المجلس من الاتحاد الأوروبي (بلجيكا والمانيا وفرنسا واستونيا) اضافة الى المملكة المتحدة يريدون "اثارة القضية" الثلاثاء.
وبحسب بيان لرئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا الذي يتولى حاليا الرئاسة الدورية للاتحاد الأفريقي، فإن الموفدين سيتوجهون إلى أثيوبيا بهدف "توفير ظروف حوار وطني مفتوح لتسوية القضايا التي أدت إلى النزاع"، من دون أن يحدد جدولا زمنيا لذلك.
وقبل بضع ساعات من إعلان رامافوزا، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن أسفه لرفض السلطات الإثيوبية أي وساطة دولية.
إثيوبي يفر من الحرب في إقليم تيغراي عابرا نهر سيتيت للوصول إلى السودانمخاوف من مزيد من القتلى المدنيينويثير احتمال شن هجوم على ميكيلي التي تعد 500 ألف نسمة بالإضافة إلى عدد غير محدد من النازحين لجأوا إليها منذ اندلاع النزاع، قلق المجتمع الدولي والمنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان.
ويتوقع بشير سقوط آلاف القتلى من المدنيين في الحرب، خاصة أن جنود جبهة تحرير تيغراي يتترسون بالمدنيين وهذه هي المشكلة".
وأضاف بشير أن "كثيرا من المدنيين لا يزالون في العاصمة ميكيللي، وبالتالي إذا وصلت الحرب للعاصمة ستودي بحياة الكثيرين، لأنهم أيضا من الخبرة السابقة أنهم يختبئون في الكنائس والمساجد، وداخل البيوت وهذا ما حدث في المدن التي حررها الجيش المركزي، الذي ضرب بعض الكنائس بسبب وجود مقاتلين فيها".
وأودت الحرب بحياة المئات، وربما الآلاف، ودفعت أكثر من 40 ألفا للجوء إلى السودان المجاور، كما شهدت إطلاق المتمردين صواريخ على إقليم أمهرة المجاور وعبر الحدود إلى داخل إريتريا.
جثث قتلى في مذبحة وقعت في 9 نوفمبر اتهمت فيها الحكومة المركزي جبهة تحرير تيغراي بتنفيذهاوقال مدير برنامج شرق وجنوب أفريقيا في منظمة العفو الدولية ديبروز موشينا في بيان "في وقت تبدأ القوات الفيدرالية الإثيوبية استعداداتها لتطويق ميكيلي، تذكّر منظمة العفو الدولية كل الأطراف بأن مهاجمة مدنيين بشكل متعمّد (...) هو أمر محظور بموجب القانون الإنساني الدولي ويشكل جريمة حرب".
وأضاف أن "اعتداءات غير متناسبة ومن دون تمييز هي أيضاً ممنوعة" بموجب القانون الدولي.
وتدعو المنظمة الطرفين المتحاربين إلى عدم استهداف منشآت عامة على غرار المستشفيات والمدارس والأحياء السكنية وإلى "ضمان أنهما لا يستخدمان المدنيين "دروعا بشرية".
وأعربت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ميشال باشليه، عن قلقها الثلاثاء من "الخطاب العدواني للغاية" من كلا الجانبين، معبرة عن خشيتها من أن "يؤدي إلى مزيد من الانتهاكات للقانون الإنساني الدولي".
ودعا مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الطرفين إلى السماح للمدنيين الساعين للحصول على مساعدات إنسانية بعبور الحدود الدولية والوطنية.
ويتوقع بشير في حديثه مع "موقع الحرة" أن ينتصر الجيش المركزي في النهاية "لأنه يطوق تيغراي من كل الجهات وهم ليس لهم معين، كما أنه لا يتم السماح بخروج أحد من الإقليم إلا النساء والأطفال من جهة السودان، كما أن هناك تفتيشا دقيقا جدا من جانب السودان، وهذا يجعل الجبهة محصورة، حتى وإن كان لديهم أسلحة كبيرة فلا يمكن أن تصمد طويلا".