تقرير/ عادل حمران:
مع نهاية مايو 2020م، الشهر الأكثر صخبًا بالنسبة للعدنيين خلال هذا العام، إذ شهدت مدينتهم نكبتان متزامنتان؛ الأولى انتشار فيروس كورونا الذي أودى بحياة العشرات وأجبر مئات الأسر على مغادرة منازلها في العاصمة الجنوبية عدن بعد أن أعلنتها الحكومة مدينة منكوبة، أما النكبة الأخرى فكانت تجدد الصراع المسلح بين القوات الجنوبية والقوات الحكومية.
وخلال هذا الشهر قررت اسرة نبيل القعيطي مغادرة منزلها الشعبي في دار سعد بعد أن توفي ثلاثة من جيرانهم بالوباء، لكن رحلة النجاة لم تكلل بالنجاح حيث اضطرت والدة نبيل للعودة الفورية بعد أن سمعت أن "الوباء الملعون" قد أصاب ابنها البكر. لم يكن الخبر صحيحا؛ نبيل المشاكس والمغامر نجى كعادته من دائرة الوباء، لكنه لم ينج هذه المرة من نيران الصراع التي أودت بحياته غيلة في أحد شوارع عدن.
وصلت أم نبيل غلى منزلها فوجدت الناس وقد تجمهروا حوله بمشهد جنائزي. "عرفت وقتها ان المسألة ليست مرض.. عرفت أنه كان الموت"، وصاحت بأعلى صوتها: "ريتهم قتلوني وتركوا نبيل، ليتهم قتلوني وتركوا نبيل". ظل صدى هذه الصيحة يرن في مخيلتي منذ أن سمعته من فاه العمة "سعاد" في اليوم الأول لاستشهاد الصحفي الحربي الأشهر في اليمن، وبعد مضي أشهر زرنا والدة نبيل التي مازالت تردد ذات العبارة بصوت خفيض ووجع كبير.
خلال عزاء نبيل كان يجول في خاطري سؤال واحد: كيف لهذا الوجع أن ينسى؟ وبعد مرور الأيام تأكدت أن هذه المسنة قد حرمت للأسف نعمة النسيان، وأن وجعها العميق بات اليوم مخلوطا مع مرارة الانكسار. "تركنا نبيل لوحدنا دون ظهر"، هكذا تصف أم نبيل حالها بعد استشهاد ولدها البكر، وهي تعني حرفيا ما تقول. لم يرثِ نبيل القعيطي عن والده المتوفي غير شجاعته المفرطة وقائمة طويلة من المسؤوليات الأسرية. كان الفتى اليتيم والعصامي هو مصدر الدخل الوحيد الذي يضمن لأسرته الحد الأدنى من الحياة الكريمة. "لم يذنبوا بحقه فقط، بل قتلوا أسره بحالها" لذا فأن والدة نبيل تعجز عن النسيان؛ فمن جهة يتواصل جرح الفؤاد النازف جراء فقد ابنها البكر، ومن جهة أخرى تكابد هموم الواقع باعتبارها أما لأربعة أبناء آخريين وجدة لأربعة أطفال أكبرهم لا يتعدى عمره العشرة سنوات. أما زوجة نبيل التي كانت تتحضر لوضع مولد جديد يوم سماعها للخبر، فقد دخلت في عزلة اختياره بعد أن عجزت عن مواجهة الواقع، وهي ترفض أن تتحدث مع أحد أو أن تخالط أي شخص.
وقفت أم نبيل أمامي وهي تحتضن زايد ذو الثلاثة أعوام الابن الثالث للشهيد، ثم تساءلت: "لماذا قتلوا ابني؟ كانت تنتظر مني إجابة لكني لم استطع الرد، فواصلت حديثها قائلة: "نبيل كان دائما يحب الخير ويساعد الناس المحتاجين والمرضى والجرحى. كل همه ونواياه خير سواء داخل البيت أو خارجه حتى يوم استشهاده خرج يتابع على حفر بئر ماء للناس عشان تشرب".
فائق النبل
ولد نبيل القعيطي في مديرية دار سعد بالعاصمة الجنوبية عدن، متزوج وأب لثلاث بنات وابن (ساره 10 أعوام، ريتاج 8 أعوام، زايد 4 أعوام، بسمة 4 أشهر)، وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في عدن. لم يتسنِ لنبيل اكمال دراسته الجامعية كونه ينحدر من أسرة محدودة الدخل لذا فقد اضطر إلى العمل مبكرا أولا عبر بيع الغاز برفقة أخوه ثم عمل في محل بيع قطع غيار السيارات، ورغم دخله المحدود فقد تميز بإنسانيته وحرصه على مساعدة الآخرين فبشهادة صديقه المقرب الإعلامي صالح العبيدي الذي صرح بالقول: "الجميع يعرف المصور نبيل القعيطي لكن الكثير يجهلون الإنسان النبيل الذي جعل من عدسته عين لنصرة كل مظلوم وإعانة كل محتاج ومساندة كل مريض، حيث كان رحمه الله صاحب علاقات واسعة وعمل كنقطة وصل بين الداعمين والمحتاجين".
تنهد بعمق بعد أن تذكر تفاصيل علاقته بصديقه ثم أخرج نظارته من عينيه واسترسل: "نبيل أفنى عدة سنوات في مساعدة الناس حيث تنوعت أعماله الإنسانية بين علاج الجرحى والمرضى وتوفير سكن لعدد من أسر الشهداء ومساعدة الأسر المتعففة والفقيرة كل أعماله كانت بصمت وكان قلبه واسع يتحمل ويتابع وينسق لهم عبر الهلال الأحمر الإماراتي أو عبر رجال أعمال، وكان آخر عمل إنساني رافقته فيه قبل استشهاده بأيام قليلة، ترتيب مخيم النازحين وتنظيفه بعد كارثة السيول في مديرية خور مكسر حيث عمل على جمع التبرعات وتوزيعها لهم بعد إعادة ترتيب المخيم".
مصور ثوري
لم يختر نبيل مهنة الصحافة بقدر ما اختارته هي، وعند انطلاق الثورة الجنوبية في عام 2007م شارك نبيل في فعالياتها ثم أملا عليه ضميره النضالي الاسهام في تغطيتها الإعلامية.
بدأ نبيل مشواره كـ"مصور ثوري" ينقل وقائع النضال في الساحات ويوزع عمله بشكل مجاني لكافة الجهات وأول من نشر له صحيفة الأيام وقناة عدن لآيف في عام 2008م، ورغم أنه ليس مختص في الصحافة أو التصوير إلا إن حبه للقضية وحماسه الثوري صنع منه مصور عالمي حاز على أعلى جائزة صحفية (جائزة روري بيك الدولية) نضير شجاعته النادرة ونشاطه المستمر.
غطى القعيطي أغلب فعاليات الحراك الجنوبي السلمي منذ انطلاقه. وفي ٢٠١٥ أعلن الانقلابيون حربهم على الجنوب فكان نبيل أحد عيون المعركة وعمل مصورا مع قناتي سكاي نيوز والحدث، وثق ارشيف الشهيد جميع معارك التحرير، ورافق بإقدام مسيرة المقاومة الجنوبية خطوة بخطوة وكان عدستها لحظة النصر والفرح ولحظة الوجع والتضحية.
جهود غير مكتملة
رغم صدى الجريمة وفداحة الكارثة إلا إن جريمة اغتيال الشهيد القعيطي ماتزال مجهولة بحثنا عن تفاصيل الجريمة ومستجداتها طرقنا أبواب الجهات الأمنية للتأكد من تفاصيل الواقعة والإجراءات الأمنية التي اتخذتها أجهزة الأمن للقبض على المتهمين اعتذر عدد من القادة عن مقابلتنا وبعد جهود حثيثة تم التصريح لنا من مصدر أمني لكنه رفض التعريف باسمه بالقول: "الأجهزة الأمنية في عدن سارعت في ملاحقة ملابسات الجريمة منذ وقوعها يوم الثلاثاء 2 / 6/ 2020م في الساعة الحادية عشر وخمسين دقيقة تقريبًا، أمام منزله في مديرية دار سعد شمال العاصمة عدن، بعد تلقي البلاغ من قسم شرطة دار سعد تحركت قوات أمنية لتطويق مسرح الجريمة وتتبع الجناة".
وأشار المصدر إلى أن: "الأجهزة الأمنية اعتقلت عدد من المشتبه بهم والذين صادف وجودهم بالقرب من مسرح الجريمة، بعضهم أبرياء تم إطلاق سراحهم فيما تم ملاحقة متهمين بالقضية سكنوا في أحد الفنادق القريبة من مكان الحادثة، وتم إيداعهم السجن والتحقيق معهم وأخذ أقوالهم حول الحادثة وبعد استكمال التحقيقات تم رفع ملف القضية إلى النيابة الجزائية المتخصصة لاستكمال بقية الإجراءات".
وحين سألناه عن التهم الموجهة لهم بأن الأمن أطلق سراح متهمين بالجريمة أجاب: "تم إطلاق سراح معتقلين تم القبض عليهم بعد أخذ أقوالهم والتحقيق معهم بتوجيهات من النيابة الجزائية المتخصصة بضمانة تجارية مؤكدة ويمكن إعادتهم بأي وقت".
واختتم قوله بإن الأجهزة الأمنية تتبعت فلاشات مصورة بالقرب من مسرح الجريمة وتابعت خيوط الجريمة ولديها أسماء عدد من المتهمين الفارين من وجه العدالة متوعدين بملاحقتهم وتقديمهم للعدالة.(المصدر تحفظ عن بقية المعلومات ولم يمنحنا تفاصيل أكثر حول ذلك).