جسدت النقاشات الأخيرة، حول برنامج الحكومة الموريتانية للعام الحالي في البرلمان، مشهدا سياسيا جديدا غير مشهود منذ تسعينات القرن الماضي.
فرغم نقاشات البرلمانيين ظلت يبطنها دوما التباين والاختلاف في الطرح بين ممثلي الحكومة والمعارضة، إلا أن جوا من الاتفاق النادر ساد في هذه الجلسة التي ميزها اعترف من معارضين تقليديين ببعض الإنجازات التي حققتها الحكومة.
وساد إجماع بين نواب البرلمان أغلبية ومعارضة على أن ما حققه الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني من إنجازات غير مسبوقة، خصوصا ما تعلق منها بمواجهة تداعيات جائحة كورونا، إلى جانب دوره في خلق أجواء من التهدئة السياسية والتصالح مع أطراف المعارضة وإشراكهم في التعيينات الإدارية لأول مرة في تاريخ البلاد وفق رأيهم.
حالة الانفراج التي تطبع المشهد السياسي حاليا، ترجمتها عديد الخطوات الأخرى التي شهدها الساحة الحزبية، كتمرير قانون جديد للجمعيات، أزاح معوقات كثيرة أمام انخراط أطياف عديد في الحياة السياسية، إلى جانب ما يجري الحديث عنه من محاولات لإطلاق حوار جديد.
وتيرة خالية من التأزم
ويرى بعض المراقبين للساحة السياسية الموريتانية أن أصداء جلسة البرلمان الأخيرة هي حصاد طبيعي لمرحلة من الانفتاح وتطبيع الحياة السياسية دشن بها الرئيس الغزواني حكمه قبل نحو عام ونصف العام.
الكاتب والمحلل السياسي اسحاق سيد ألمين أعتبر المشهد الحالي يعكس مرحلة سياسية تسير فيها البلاد على "وتيرة خالية من الأزمات" وفق تعبيره.
وأوضح الكاتب في منشور بصفحته على "فيسبوك" أن هذا الوضع يمثل الحالة الطبيعية للمشهد وهو "أغلبية تحكم، ومعارضة تمارس أنشطتها دون مضايقة، وتشرك بانتظام في القضايا الوطنية الكبرى".
وأشار سيدي ألمين، إلى أن الرئيس الغزواني يلعب دوره كاملا في تكريس هذا الواقع من خلال استقباله بشكل منتظم لرؤساء الأحزاب السياسية، وقادة الرأي، ونشطاء المجتمع المدني، مشيرا أنها "سنة تشاور لم ينقطع منذ انتخابه وإنما تعزز وتعددت مستوياتها.
وخلص الكاتب إلى أن التحدي الذي يواجه الجميع هو مواجهة الآثار الصحية والاقتصادية للجائحة"، وهو ما يستدعي –في نظره-مؤازرة الحكومة في تنفيذ برامجها، باعتبار ذلك هو ما يجسد روح الديمقراطية الحقة، وذلك هو الهدف الأسمى لكل "تشاور" هادف إلى خدمة المصلحة العليا للوطن" على حد تعبيره.
أما الكاتب محمد سيدي عبد الله، فاعتبر أن حالة التطبيع التي تشهدها الساحة السياسية الموريتانية لم تشهد لها مثيل من قبل.
وأعتبر سيدي عبد الله أن أصوات النواب في البرلمان، حالة الاتفاق النادر بين مختلف الكتل كانت ترجمة لما وصفه بالنص السياسي، في إشارة إلى نجاح جهود الرئيس لكسب ود مختلف ألوان الطيف السياسي.
وأبرز الكاتب أن هذا الإجماع تحت قبة البرلمان كان مطلقا من الأغلبية والمعارضة في تقيم المرحلة الماضية منذ وصول الغزواني إلى السلطة، مضيفا أنها "أول مرة في تاريخ البلاد يقع فيها مثل هذا الإجماع المنقطع النظير ومن مختلف الطيف السياسي".
وأعتبر الكاتب أنها المرة الأولى كذلك التي استطاعت فيها المعارضة الموريتانية وبكل أطيافها تقديم تقييهما للمرحلة وتثمين إشراكها وروح الانفتاح الذي لاقته لدى الغزواني واعترافها بتغير النهج في التعاطي مع قضايا البلاد، بعيدا عن لغة التشنج والتراشق والتخوين، على حد تعبيره.
إعادة رسم المشهد السياسي
أما الكاتب والمحلل السياسي محمد عبد الله ولد سيدي فأعتبر أن الرئيس الموريتاني استطاع أن يعيد رسم المشهد السياسي، وتنسيق ألوانه بعناية دون صخب أو ضجيج".
وأشار إلى أن ذلك تم بعد عام وأشهر من العمل في "هدوء" وهو ما فرض – في نظره- على المعارضة والمولاة والمنصفين من أصحاب الرأي التثمين والإشادة، مبينا أن ذلك ما تجسد من خلال نقاشات البرلمان لحصيلة العمل الحكومي، وآفاقه لسنة 2021.
تأتي هذه التطورات السياسية في خضم إشادة وارتياح في أوساط الطبقة السياسية لاعتماد القانون الجديد للجمعيات في موريتانيا.
فالقانون بالإضافة إلى أهدافه الأساسية المتمثلة في تسهيل إنشاء الجمعيات ونقلها من مرحلة انتظار الترخيص إلى وضع جديد، يشجع أيضا مشاركة المنظمات المدنية في وضع السياسات العمومية.
الأهداف السياسية للقانون الجديد، عبّر عنها كذلك حجم التفاعل والارتياح من طرف النخبة السياسية الموريتانية التي رأت فيه تكريسا لجو الانفتاح وتطبيع المشهد السياسي الذي بدأ به الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني حكمه قبل أكثر من سنة.
النائب البرلماني، بيرام الداه اعبيد، المرشح الرئاسي الذي حل ثانيا في الاستحقاقات الأخيرة، كان أول المشيدين بالقانون الجديد للجمعيات.
وأكد النائب البرلماني بيرام الذي يرأس منظمة "الإيرا" الحقوقية غير المرخصة، أنه تلقى "بكل ارتياح تمرير الحكومة الموريتانية لقانون التصريح للجمعيات المدنية".
بالنسبة لهذا الناشط الحقوقي والزعيم السياسي الصاعد فإن القانون يزيل عقبة الترخيص أمام منظمته، بل ويفتح المجال أمام دخوله السياسية من بوابة الأحزاب السياسية، والمنظمات المرخصة، بعد أن ولجها منذ 2014 من بواب الترشح المستقل أو ممارسة النشاط تحت يافطة أحزب أخرى.
أما الناشط المدني المصطفى عبد الرحمن فيرى أن القانون "قفزة نوعية في مجال ممارسة العمل المدني" في البلاد، مطالبا في تدوينة بحسابه على "فيسبوك" بـ"تكثيف النقاش والورشات التي تقوم بشرح مواد القانون للمنخرطين في مجال العمل المدني".
تكريس الانفتاح
اعتماد القانون الجديد للجمعيات في موريتانيا يأتي في خضم حراك جديد للمشهد السياسي، ومحاولات إطلاق حوار وطني جديد، بدأت المداولات والاتصالات الممهدة له.
لقاءات يرى البعض أنها تستهدف تحضير الأجواء، وترتيب الأولويات، وطبخ مائدة الحوار على نار هادئة، ضمانا لنجاحه وتحقيق غاياته المرجوة منه.
وتعزز هذا التوجه الاتصالات السياسية مكثفة التي يجريها حاليا حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم في موريتانيا، مع الطبقة السياسية، لإطلاق حوار وطني يتناول القضايا الاجتماعية، ويقدم الحلول والمقاربات للعديد من تلك الملفات التي تشغل الرأي العام منذ عقود.
وجاءت الدعوة لإطلاق الحوا، وفق مصادر مطلعة، بإيعاز من الرئيس الموريتاني، وتزامنت مع لقاءات موازية أجراها كذلك مع قادة أحزاب وشخصيات سياسية وحقوقية، تضمنت الوقوف على أجندة الحوار المرتقب.
ويتوقع مراقبون للشأن السياسي في موريتانيا، أن إطلاق هذا الحوار يأتي استجابة لدعوات متكررة من الأحزاب والقوى السياسية للرئيس الموريتاني منذ وصوله للسلطة، بتنظيم حوار شامل يعالج مختلف تلك القضايا.