لم يحظ أي رئيس يمني بالدعم الكبير الذي تحصل عليه هادي من حلفائه الإقليميين، لكن حسابات الرجل أخطأت في خلق تحالفات مع تنظيم الإخوان الموالي لقطر، والذي تربطه مصالح استراتيجية مع قطر، وهذه المصالح ساهمت في العام 2017م بقيام السعودية ودول التحالف الأخرى بمقاطعتها على خلفية تورطها في دعم الحوثيين الموالين لإيران.
على مدى سبع سنوات، وهادي يدعو الحوثيين إلى السلام، على الرغم من أن قواته لم تحقق أي تقدم على الأرض، تجبرهم على التفاوض، بعد أن أصبحت تلك القوات في قبضة الإخوان، حلفاء الرئيس الجدد.
مع بداية العام 2020م، فقد هادي كل شيء على الأرض، بعد أن حرف حلفاؤه مسار الحرب صوب الجنوب، باجتياح محافظة شبوة النفطية المحررة من أذرع إيران والتنظيمات الإرهابية، في أغسطس (آب) 2019م. وقد مثلت معركة السيطرة على شبوة انحرافا في مسار الحرب اليمنية، وحاولت السعودية تلافي هذا الانحراف ودفعت باتفاقية الرياض التي وقعت عليها حكومة هادي، إلا أن الإخوان ردوا على تلك الاتفاقية بتسليم مدن وأسلحة ضخمة للحوثيين، الأمر الذي أدى قيام السعودية بإطلاق مبادرة من طرفها، رفضها الحوثيون لاحقاً، وطالبوا بوقف الغارات الجوية وفتح مطار صنعاء.
وخلال العام الماضي، حاول حلفاء هادي السيطرة على عدن، وشنوا حربا واسعة على العاصمة عدن، إلا أن القوات المسلحة الجنوبية نجحت في التصدي لهم وإجبارهم على التراجع، قبل أن تعود الرياض بإطلاق نسخة ثانية من اتفاقية الرياض، نجحت على إثرها بفصل القوات المتحاربة عن بعضها، لكن هذا لم يدم طويلا، فقد غيّر حلفاء الرئيس اليمني من استراتيجية المواجهة إلى تنفيذ عمليات عبر تنظيم القاعدة في أبين وشبوة، إلا أن هذه الاستراتيجية العسكرية ساهمت في توريطهم بالمزيد من الأدلة، التي تثبت تورطهم بالتحالف مع التنظيمات الإرهابية "القاعدة وداعش"، وهو ما لم ينفه هادي ولا إدارته المقيمة في قصر بالعاصمة السعودية الرياض.
وخلال السنوات الماضية، وضعت الخزانة الأمريكية مسؤولين موالين لهادي على قوائم الإرهاب، ومنعت عنهم السفر وتجميد أرصدتهم البنكية، وجميعهم من تنظيم الإخوان الممول قطرياً.
ومنذ أواخر مارس (آذار) 2015م لم تحقق القوات الموالية لهادي أي تقدم ضد الحوثيين، مقارنة بالقوات المسلحة الجنوبية التي لم تخضع له إطلاقاً وخاضت الحرب في الجنوب ضد الأذرع الإيرانية بشعار تحرير الجنوب من الاحتلال اليمني، فالجميع في عدن والمدن الأخرى قاتل الانقلابيين تحت راية علم الجنوب الذي يعمل هادي على عرقلة عودة الدولة الجنوبية بدعوى أن دعواتهم "انفصالية"، على الرغم من أن إدارته خاضت مفاوضات مع الحوثيين على اعتبار أنها صاحبة الانتصار في الجنوب، وهذا الأمر غير صحيح بالمطلق.
ومع أن الجنوب هو صاحب الانتصار الوحيد ضد الحوثيين، إلا أن حلفاء الرئيس اليمني - المنتهية ولايته - استغلوا سلطته في مناهضة الجنوبيين، فلم يمر نحو عام ونصف من تحرير عدن حتى بدأ الأحمر مرحلة التخلص من الجنوبيين من خلال إزاحتهم من السلطة، بدعوى أنهم انفصاليون، بل إنه اختار الـ27 من أبريل (نيسان) 2017م لعزلهم من مناصبهم في رئاسة السلطة المحلية في عدن ومدن الجنوب الأخرى، واختيار هذا التاريخ ليست مصادفة، فهو اليوم الذي أعلن فيه رئيس النظام السابق الحرب على الجنوب في العام 1994م.
وبعد صعود الأحمر إلى الرئاسة اليمنية في مطلع العام 2016م تصاعدت أعمال العنف والعمليات الإرهابية في الجنوب، وظل الأحمر في دائرة الاتهام برعاية الإرهاب والتنظيمات المتطرفة، وهو ما لم ينفه الأحمر عن نفسه إطلاقاً.
ثلاث سنوات كانت كفيلة ليدفع الإخوان هادي للتمترس ضد الجنوبيين الذين احتضنوه عقب فراره من صنعاء في فبراير (شباط) 2015م إلى العاصمة عدن.
وتسببت أعمال العنف والاغتيالات التي طالت قيادات عسكرية ومدنية جنوبية بارزة في تصاعد اندلاع مواجهات مسلحة مع القوات المسلحة الجنوبية، ضد القوات التي قالت حينها إنها محسوبة على قوات حرس هادي، لتنتهي تلك المواجهة بطرد القوات المحسوبة على هادي من عدن ولحج وأبين.
حاولت السعودية بكل ثقلها إحداث حالة توازن، إلا أن الأزمة الخليجية والعربية مع قطر ساهمت في انفراد الإخوان بالقرار الرئاسي وتجييره لمصلحة النفوذ القطري، لتجد الرياض نفسها مرغمة في مطلع العام الجاري 2021م على توقيع اتفاقية مصالحة مع الدوحة.
لم يمتلك هادي أي أوراق سياسية لمفاوضة الحوثيين، فالجنوب المحرر لا يخضع كله بيد هادي، فحتى وادي وصحراء حضرموت خاضع لقوات يبدو من تحركاتها أنها موالية للحوثيين، لكن لم تعلن ذلك صراحة، ناهيك عن أن هادي يسير فقط على شارع رئيسي في مأرب وآخر في تعز، دون ذلك اليمن الشمالي في قبضة الحوثيين الذين ارتفع سقف مطالبهم إلى رفع الحصار ووقف الغارات الجوية "دون قيد أو شرط".
وبالنظر إلى خريطة المعركة خلال السبع سنوات الماضية، يتبين أن من هزم هادي وقلص نفوذه ليس الحوثيون وإنما حلفاؤه جماعة الإخوان التي سلمت المدن وأسلحة التحالف العربي لأذرع إيران، في صفقة سياسية وعسكرية، هدفها الضغط على الرياض لرفع الحصار والمقاطعة الخليجية والعربية للدوحة، دون الأخذ بالاعتبار مستقبل هادي كرئيس أو كطرف مفاوض في مفاوضات الحل النهائي.
وهو ما يؤكد أن هادي قد خسر الحرب "عسكريًا وسياسياً" ليس بقوة الحوثيين، ولكن بفعل "الحلفاء" الذين انقسموا بين المعسكرين المتضادين "السعودية وقطر".