كشفت الجزائر، مساء الأربعاء، عن تشكيلة الحكومة الجديدة، والثانية في عهد الرئيس الحالي عبد المجيد تبون، وسط مفاجآت كبيرة.
حكومة حملت معها مفاجآت وصفها المراقبون بـ"المدوية وغير المتوقعة"، شهدت خروج وزراء، جل التوقعات والمعلومات أشارت إلى بقائهم في الجهاز الحكومي الجديد.
كما كانت أكبر مفاجأة هي خروج وزير الخارجية صبري بوقادوم من منصبه.
إلا أن مفاجأة إقالة بوقادوم قابلها إعادة رمطان لعمامرة الدبلوماسي المخضرم إلى منصبه السابق الذي يتولاه للمرة الثالثة بعد مرتين في الحكومات الأخيرة للرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة.

3 دلالات
وعلق مراقبون على تعيين رمطان لعمامرة وزيرا جديدا للشؤون الخارجية والتعاون الدولي بالإشارة إلى 3 دلالات حملها ما اعتبروه "استنجاد" رئيس البلاد عبد المجيد تبون بـ"زميله السابق" في حكومات عبد العزيز بوتفليقة، خصوصاً وأنه كان يوصف بـ"الرجل الذي أعاد إحياء الدبلوماسية الجزائرية".
الدلالة الأولى، وفق المراقبين، هي "إعادة الاعتبار" لشخصية دبلوماسية تُعرف بأنها "متزنة وبراغماتية" بعد خروجها من "الباب الضيق" بعد أيام من استقالة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في 2 أبريل/نيسان 2019.
وتعرض لعمامرة حينها لـ"انتقادات لاذعة" من قبل أوساط معارضة بعد تعيينه "نائباً أول لرئيس الوزراء" من قبل بوتفليقة بعد استقالة حكومة أحمد أويحيى وتكليف نور الدين بدوي برئاسة الحكومة الجديدة في مارس/آذار 2019 بالتزامن مع خروج المظاهرات الحاشدة الرافضة لترشح بوتفليقة لولاية خامسة.
وأكدت مختلف وسائل الإعلام المحلية حينها أن جهات "متطرفة" محسوبة على المعارضة سعت لـ"تشويه سمعة" الدبلوماسي لعمامرة وربطه بنظام بوتفليقة، فيما أكدت الأحداث عدم تورطه في أية قضايا فساد رغم أنه كان من أكثر المقربين من الرئيس السابق.
الدلالة الثانية التي حملها تعيين لعمامرة وزيرا للخارجية بالجزائر والتي ذكرها المتابعون، هي "معرفة رمطان لعمامرة بخبايا السلطة الجزائرية ودهاليز دبلوماسيتها وخصوصية علاقاتها مع شركائها الأجانب" وقدرته على إدارة الملفات الخارجية.
ومنذ 2017، قاد لعمامرة مفاوضات شاقة مع الاتحاد الأوروبي لإعادة صياغة اتفاق الشراكة بين الجانبين، بالإضافة إلى دوره في تعزيز العلاقات مع عدة دول عربية وأجنبية بالنظر إلى السمعة المحترمة التي يحظى بها الرجل في الأوساط العالمية.

فيما تكمن ثالث دلالة والتي يعتبرها المراقبون بأنها "السبب الرئيسي" في الاستنجاد بخدمات رمطان لعمامرة وهي "إنقاذ الدبلوماسية الجزائرية" و"إعادة تصويب مسارها".
ويشير المراقبون إلى "حالة الارتباك غير المسبوق التي طبعت العلاقات الجزائرية في العامين الأخيرين مع عدة دول" بسبب أزمات إقليمية مثل ليبيا ومالي.
وشهدت العلاقات الجزائرية في سابقة بدبلوماسيتها المعروفة بـ"هدوئها" توترا مع عدة عواصم عربية وأجنبية، وسط انتقادات محلية لما يعتبرونه "ارتباك إدارة الملفات الخارجية".
وكان "التقارب الجزائري التركي" الأخير المعزز بـ"رسائل غزل متبادلة" من أكثر المسائل الدبلوماسية التي شدت انتباه الجزائريين، وحملت معها انتقادات وتحذيرات من خطورة التوغل التركي في الجزائر عبر بوابة الاستثمارات.
كما أثار التصريح الأخير للرئيس الجزائري عن طرابلس الليبية تساؤلات من قبل مثقفين وسياسيين عن مدى "تغير البوصلة الجزائرية تجاه سياسة المحاور"، خصوصاً وأن ميليشيات السراج المدعومة من تركيا ومرتزقتها الذين جلبتهم من سوريا كانوا يسيطرون على العاصمة الليبية باعتراف سابق من السلطات الجزائرية.
ويرى متابعون أن الدبلوماسية الجزائرية عاشت في العام الأخير "شبه عزلة" إقليمياً ودولياً بسبب مواقفها المرتبكة من أزمتي مالي وليبيا، وزادها انسحاب شركات نفطية كبرى من بينها 'بريتيتش بتروليوم" والتي عدها خبراء اقتصاديون بـ"النكسة" التي أصابت قطاع النفط الجزائري.

مهمات ثقيلة
وتنتظر رمطان لعمامرة على رأس الدبلوماسية الجزائرية عدة ملفات ثقيلة تسببت في أزمات دبلوماسية وإخفاقات في المرحلة المقبلة، ترغب السلطات الجزائرية في إيجاد أرضية مناسبة لتسويتها.
ويقول المراقبون إن عودة الجزائر إلى الساحة الدولية والإقليمية بعد انتخاب سلطة جديدة نهاية 2019، اصطدم بواقع إقليمي ودولي مغاير، سيرته الجزائر بـ"تصادمية" مع قوى وأطراف إقليمية، مبتعدة بذلك عن "نهجها الدبلوماسي التقليدي" المبني على أسس التشاور والتنسيق الإقليمي.
بينما يرى آخرون أن إعادة لعمامرة إلى مبنى الخارجية هدفه إعادة صياغة أهداف الجزائر ونظرتها الجديدة لسياستها الخارجية المبنية على "أولوية الأمن القومي ومراعاة مصالحها السياسية والأمنية والاقتصادية".

ومن أكثر الملفات المعقدة التي تنتظر "الساحر الدبلوماسي" كما يحلو للبعض تسميته في الجزائر الوضع في دولة مالي التي تربطها حدود شاسعة جنوب الجزائر.
ويعيش هذا البلد الأفريقي منذ العام الماضي توترات أمنية خطرة، وسط تمدد للجماعات الإرهابية من "القاعدة" و"داعش" على حدود الجزائر بشكل باتت معها تهدد الأمن الجزائري.
كما أن الأزمة في الجارة الشرقية ليبيا كان ولازال من أكثر الملفات الأمنية الإقليمية التي أربكت الدبلوماسية الجزائرية وسعت منذ بدايتها لإيجاد حل سلمي لها، وكان رفض التدخلات الأجنبية العسكرية في ليبيا من أكثر المواقف الثابتة للدبلوماسية الجزائرية منذ 2011.

العلاقات مع الجارة الغربية وهي المملكة المغربية" تعد أيضا من أقدم الملفات الدبلوماسية التي ورثتها الدبلوماسية الجزائرية منذ استقلال البلاد قبل 59 عاماً، وهو الملف الذي يترقب المتابعون أن يشهد "حلحلة" في عهد رمطان لعمامرة الذي يعد من أكبر العارفين لخصوصية العلاقات مع الرباط.
ومن أكثر الملفات الدبلوماسية المعقدة والشائكة التي تنتظر "الوافد الجديد القديم" لوزارة الخارجية هو العلاقات مع فرنسا "مستعمر الأمس"، إذ شهدت العلاقات بين البلدين منذ 2019 صعودا في منحى التوتر وصل إلى حد استدعاء السفير الجزائري وطرد وسائل إعلام فرنسية من الجزائر.
وتأثرت العلاقات بين الجزائر وباريس بشكل أكبر لعدة أسباب، أكبرها ملف الذاكرة وتراجع النفوذ الاقتصادي الفرنسي بالجزائر، وكذا تضارب المواقف بين البلدين إزاء الأزمات الإقليمية.

من هو رمطان لعمامرة؟
ولد الدبلوماسي المحنك كما يسمى في الجزائر عام 1952 بمحافظة بجاية (شرق الجزائر)، وتخرج عام 1976 من المدرسة الوطنية للإدارة بالجزائر العاصمة، ليتقلد بعدها عديد المناصب الدبلوماسية في الجزائر والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي.
ويتولى حالياً رمطان لعمامرة منصب "وزير دولة ومستشار دبلوماسي" برئاسة الجمهورية منذ 14 فبراير/شباط الماضي.
وبدأ لعمامرة مشواره الدبلوماسي في وزارة الخارجية الجزائرية، ثم أميناً عاماً للوزارة من 2005 إلى 2007، وعُيّن قبلها سفيراً للجزائر في إثيوبيا وجيبوتي في تسعينيات القرن الماضي.

وتنقل عام 1993 بعدها إلى نيويورك وواشنطن كسفير للجزائر في الولايات المتحدة الأمريكية ولدى الأمم المتحدة إلى 1996.
وفي سبتمبر/أيلول 2013 كلّفه الرئيس الجزائري بحقيبة وزارة الخارجية إلى غاية 2015، ليتغير اسم وصلاحيات الوزارة وأصبح رمطان لعمامرة "وزيرا للدولة وزيراً للخارجية والتعاون الدولي" إلى غاية مايو/أيار 2017.
ونجح الدبلوماسي الجزائري في قيادة وساطة بين الأطراف المتصارعة في دولة مالي بين عامي 2014 و2016 بصفته وزيراً للخارجية الجزائري، وهي الوساطة التي توجت بالتوقيع على اتفاق مصالحة بين الأطراف المتنازعة في هذا البلد الأفريقي.
وآخر منصب تولاه في الجزائر كان وزير الخارجية والنائب الأول لرئيس الوزراء في مارس/آذار 2019، لكن سرعان ما تمت إقالته شهرا بعد ذلك نتيجة ضغوط حقوقيين عن ما أسموه "عدم دستورية منصب نائب رئيس الوزراء".

وسيط أممي وأفريقي
ويعتبر الدبلوماسي الجزائري لعمامرة من بين أبرز الدبلوماسيين في الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، خاصة وأنه متخصص في مجال الوساطة الدولية لحل النزاعات.
وعام 2003، كُلُف لعمامرة بمنصب مبعوث للأمم المتحدة إلى ليبيريا حتى 2007، بين الحكومة و"حركة الليبيريين المتحدة من أجل المصالحة والديمقراطية"، وانتهت وساطة لعمامرة باتفاق الأطراف المتنازعة على وقف الحرب الأهلية ووضع السلاح.
وعام 2008، عُين مفوضاً لمجلس السلم والأمن الأفريقي، وأعيد انتخابه على رأس المجلس إلى غاية 2010.
وفي سبتمبر/أيلول 2017، عينت الأمم المتحدة الدبلوماسي الجزائري لعمامرة عضواً في المجلس الاستشاري الأممي رفيع المستوى المختص في الوساطة الدولية والذي يضم 18 شخصية دولية.
وفي يوليو 2018، انضم لعمامرة إلى مجلس إدارة منظمة "مجموعة الأزمات الدولية"، وهي منظمة غير حكومية مقرها بروكسل.
وفي الربع الأول من 2018، كُلف رمطان لعمامرة بمهمة وساطة أفريقية في الأزمة السياسية بمدغشقر، وهي المهمة التي انتهت باتفاق الحكومة والمعارضة على تحديد تاريخ 7 نوفمبر/تشرين الثاني موعداً لإجراء الانتخابات الرئاسية.
وكلّفه موسى فكي رئيس الاتحاد الأفريقي في سبتمبر/أيلول 2018 بمهمة مبعوث الاتحاد إلى الانتخابات الرئاسية في مدغشقر، وتحددت مهمة لعمامرة في تقييم الوضع في مدغشقر ودعم عملية التحضير للانتخابات الرئاسية.
وآخر منصب أفريقي تولاه رمطان لعمامرة، كان تعيينه من قبل الاتحاد الأفريقي بداية العام الحالي "ممثلاً سامياً للاتحاد من أجل إسكات البنادق".
