مخاطر وتحديات أمنية غير مسبوقة تحيط بحدود الجزائر الشاسعة، استنفرت المؤسستين السياسية والعسكرية لـ"خطر داهم ووشيك".
هذه الحقائق تؤكدها "لهجة" الخطابات الرسمية بالجزائر، وكذلك التقارير الأمنية المحلية والدولية التي تتحدث عن "معادلة أمنية جديدة بمتغيرات ومجاهيل جديدة" في محيط الجزائر، أعادت بحسب مراقبين "إحياء نظرية المؤامرة" وتعدت ذلك إلى اعتبار ما يحدث بالمنطقة المحيطة بالجزائر "مشهدا بارزا في إرهاصات ولادة نظام عالمي جديد".
وشرّح المحلل السياسي الجزائري والباحث في العلاقات الدولية الدكتور مناس مصباح لـ"العين الإخبارية" حقيقة التحديات والمخاطر والرهانات الأمنية "عالية الدقة والمنسوب" التي باتت تواجهها الجزائر على حدودها، ومدى نجاعة مقارباتها لصد التهديدات المحيطة بها.
كما أشار إلى "أسلحة الأمن الشامل" التي تملكها الجزائر بإمكانها تجنيبها سيناريوهات انتقال عدوى التوترات الأمنية من محيطها الملتهب بالجماعات الإرهابية وصراع نفوذ القوى الكبرى على المنطقة، والتي ربطها أيضا بـ"مرحلة تحول في العلاقات الدولية".

أنياب الإرهاب
لم يعد "القاعدة" ذلك التنظيم الإرهابي "الكلاسيكي" بفروعه المتشابكة الخطر الوحيد الذي يتربص الجزائر عبر حدودها وفي الدول المجاورة لها، إذ تحولت المنطقة إلى بؤرة انتشار كثيف لتنظيمي "داعش" و"بوكو حرام" الإرهابييْن، وهما تنظيمين انتقلا من تنظيمات محلية إلى عابرة للحدود.
تنظيم داعش الإرهابي الذي عجز عن إيجاد موطأ قدم له بالجزائر بفعل الجاهزية العسكرية والأمنية القصوى على طول حدود البلاد، بات رقماً صعباً في المعادلة الأمنية للمنطقة وفق ما تؤكده التقارير الأمنية الدولية.
ومن "جار منبوذ" في شمال مالي، بات هذا التنظيم الإرهابي يبحث عن التأسيس لـ"خلافة جديدة" تبدأ في نيجيريا و قد لا تنتهي عند النيجر المجاورة للجزائر، بالإضافة إلى عودة توغله في الصحراء الليبية ليخلق جبهة تحدي جديدة وطويلة للجزائر لارتباطها بحدود برية مع ليبيا يبلغ طولها نحو 982 كيلومتر.
كذلك، تنظيم "بوكو حرام" الذي امتدت عملياته الإرهابية إلى عمق استراتيجي آخر للجزائر وهي دولة النيجر، زاده تغيير تكتيك الجماعات الإرهابية التي انتقلت من حالة صراع دائم إلى تحالفات كما حدث بين داعش وبوكو حرام بحسب تقارير أمنية دولية، عززت من قوتها مكنتها من السيطرة على أراضٍ واسعة بمنطقة الساحل والصحراء.

الثالوث الخطر
وأشار المحلل المحلل السياسي الجزائري والباحث في العلاقات الدولية الدكتور مناس مصباح في حديث مع "العين الإخبارية" إلى أن "ما يحدث في الجوار الجغرافي الجزائر ليس مستغرباً، لأننا كنا نحذر منذ سنوات من لعبة لتطويق الجزائر استراتيجياً بداية من إسقاط الدولة في ليبيا وليس النظام فقط، وهي تعيش لسنوات حالة اللا دولة، وهي وضع جيوسياسي أخطر من الدولة الفاشلة".
واعتبر الخبير الجزائري أن "استهداف ليبيا كان هدفه ضرب استقرار الدولتان المركزيتان في شمال أفريقيا وهما الجزائر ومصر وبدرجة أقل تونس".
وتابع تحليله لما يحدث بجوار الجزائر: "يضاف لذلك قلاقل ما يسمى بالربيع العربي مثلما حدث في تونس وحالة اللا استقرار التي عرفتها منذ سنوات ولازالت إلى يومنا هذا، بالإضافة إلى منطقة الساحل أو ما تسمى بـ(منطقة الرمال المتحركة) التي تعيش أزمات منذ سنوات طويلة".

الإرهاب والنفوذ
وشدد الخبير الجزائري على أن "كل هذه القلاقل يدعّمها التحريك الإرهابي الذي لا أراه بريئاً سواء فيما يتعلق بالدواعش في ليبيا أو بوكو حرام، وعلامة الاستفهام الكبرى هي من يحرك هذه التنظيمات الإرهابية".
ويرى الدكتور مناس مصباح أن "الأكيد في ذلك هو وجود أجهزة أمنية استخباراتية كبيرة ورائها، لأن القارة الأفريقية مقبلة على مرحلة من التنافس والصراع على مواردها لأنها قارة عذراء بين العمالقة القادمين وهم بدرجة أخص العملاقان الصيني والروسي، بالإضافة للهندي الذي سيدخل على الخط".
وقال "بطيعة الحال الولايات المتحدة مع منافسة حادة مع فرنسا على اعتبار النفوذ التاريخي الكبير لباريس في القارة الأفريقية".
"الخنق الجغرافي"
الخبير قال أيضا إن "الجزائر باعتبارها دولة مركزية في القارة الأفريقية، فإن ما يحدث بجوارها يؤكد أنها مستهدفة، لأن تحالفها الطبيعي مع الصين وروسيا وهذا طبعاً لا يُرضي أطرافاً غربية، كما أن الأكيد أن عملية الخنق في الجوار الجغرافي تهدف لزيادة الضغط على الجزائر ومحاولة خنقها استراتيجياً خدمة لمصالحها".

أسلحة "الأمن الشامل"
وفي ظل هذه التحديات الأمنية الكبيرة والمعقدة التي تحيط بالجزائر من معظم حدودها، بات الحديث من قبل المراقبين عن أولويات الجزائر خلال هذه المرحلة الدقيقة المحيطة بها في دول تعتبرها "عمقها الاستراتيجي"، وحقيقة الأوراق التي تمتلكها الجزائر لقلب المعادلة الأمنية المفروضة عليها.
المحلل السياسي الدكتور مناس مصباح أشار إلى أن الأوراق التي تملكها الجزائر تسمى عند مراقبين بـ"أسلحة الأمن الشامل".
أولها – بحسب الخبير – "تمتين الجبهة الداخلية التي يوجد من يعمل ضدها ويحاول ضرب استقرار الجزائر الداخلي، وهذا ليس بالجديد بل هو قديم متجدد، وعدم وجود جبهة داخلية متماسكة يخلق ما يسمى بـ(ثغرات الاختراق)، وهو ما تعمل عليه كل الأطراف التي تستهدف الجزائر".
وأضاف أن السلطات الجزائرية "عملت على هذا الجانب كثيرا، والمؤكد تحقق مكاسب كبرى فيما يتعلق بهذا التمتين، ويبقى الوعي الداخلي أحد صمامات الأمان".
بالإضافة إلى ذلك – كما قال الدكتور مناس – "الترتيبات الأمنية التي وضعها الجيش الجزائري لتأمين الحدود، ولا نقولها من المبالغة أن الحدود البرية التي يتجاوز طولها أكثر من 6 آلاف كيلومتر هي مؤمنة عسكرياً، والأعداء يعرفون ذلك".

"التنفيس" الجغرافي
علاوة على ذلك، أوضح الخبير في العلاقات الدولية أن هناك ما يعرف بـ"محاولات تنفيس داخل الجوار الجغرافي، مثل الحالة التونسية والتي يجب أن تبقى دائماً مستقرة لأن الجزائر هي نافذتها المستقرة في جوارها الجغرافي ويدعمها يدخل في هذه المقاربة، وكذا نافذتي موريتانيا والنيجر وهي دول مهمة في عملية التنفيس الجغرافي لإدارة التأزيم الموجود في الجوار".
كما أشار إلى "بناء الجزائر علاقات متينة على المستوى الدولي خاصة مع الصين وروسيا، وكذلك مع الولايات المتحدة رغم اختلافهما في بعض الملفات، وتبقى العلاقات مع فرنسا يحكمها عامل التاريخ، لكن لا ننسى أن هناك مصالح مشتركة بين الطرفين وهذا يدخل أيضا في اللعبة بين باريس والجزائر".
مقاربة شاملة
وختم بالتأكيد على أن "هذه المقاربة الشاملة سواء للجبهة الداخلية أو للتحالفات الإقليمية والدولية كلها إجراءات قامت وتقوم بها الجزائر لإدارة هذه المرحلة الصعبة التي يجب أن نربطها بأننا نعيش مرحلة تحول في العلاقات الدولية للانتقال نحو نظام متعدد الأقطاب أو نظام توازن القوى".
وأوضح بأن مرحلة تحول النظام العالمي تمر "بشكل عسير وتشمل كل دول العالم دون استثناء، والجزائر ليست استثناء في هذه القاعدة، والأكيد ستكون هناك قلاقل تدخل فيما يسمى بـ(إرهاصات ولادة النظام العالمي الجديد) والجزائر مطالبة بإدارة هذه المرحلة بأحسن صورة للخروج منها بأخف الأضرار".
