أخبار محلية

أفغانستان "مقبرة الإمبراطوريات".. نهايات متشابهة لـ3 حروب

أفغانستان "مقبرة الإمبراطوريات".. نهايات متشابهة لـ3 حروب

ما فتئت أفغانستان ساحة كبرى لتقديم الدروس، بأقلام التاريخ، دون أن يستوعبها أحد، خلال قرون مضت، عرفت دخول دول عظمى تخرج في يوم مشهود.

فمنذ القرن التاسع عشر إلى القرن الحالي، مرّت قوات أجنبية بأفغانستان، بظروف متشابهة إلى حد بعيد؛ دخول سهل تتهيأ أسبابه، وخروج صعب وضريبة باهظة في الأموال والأنفس.

هذا ما حدث مع بريطانيا العظمى في احتلالها عام 1839، لأفغانستان، وتكرّر مع الاتحاد السوفيتي، والولايات المتحدة، لذلك سمي هذا البلد المعقد إثنيا وجغرافيا "مقبرة الإمبراطوريات".

بريطانيا و"الشتاء المهين"

كانت الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس في القرن التاسع عشر تسعى عبر أفغانستان، التي تتمتع بموقع استراتيجي في جنوب آسيا، إلى دخول الهند.

سريعا نظمت بريطانيا حملة عسكرية، تتألف من 58 ألف جندي، ونقلت أطنان المعدات والمؤن، فبسطت سيطرتها على أفغانستان.

لكنّ المقام لم يستقرّ بالبريطانيين طويلا، فبعد ثلاث سنوات فقط ثارت القبائل الأفغانية ضد الاحتلال الجديد، واضطرت الإمبراطورية العظمى إلى الانسحاب عام 1842، في "الشتاء المهين"، كما تصفه أدبيات التاريخ البريطاني.

ومن كابول تحديدا اضطر من نجا من أفراد الجيش البريطاني وأعوانهم من الجنود الهنود والأوروبيّين إلى الفرار، فيما أثخنت اليد الأفغانية البقية، وذبحوا "الغزاة" في الممرات الجبلية تحت الصخور الجليدية الباردة.

السوفيت.. 10 سنوات مضطربة

ما إن طرد الاستعمار البريطاني، حتى وضع الاتحاد السوفيتي عينه على أفغانستان، وتدخل الجيش الأحمر قليلا، عام 1929، لتثبيت حكم الملك الموالي لها أمان الله خان، ومنذ ذلك الوقت ظلت تتمتع بعلاقات ورعاية للسلطات الحاكمة هناك.

رعاية الحليف الأفغاني اضطرت الاتحاد السوفيتي أواخر عام 1979، إلى دخول أفغانستان، حماية للحكومة الشيوعية الصديقة من هجمات المعارضين لها، لترسخ الدولة أقدامها في هذا البلد، لعشر سنوات مضطربة.

عشرً لم تنعم فيها الدولة السوفيتية بالاستقرار بسبب هجمات المعارضين للوجود الشيوعي في البلاد، فحاربوا الدولة القوية ضمن ما عُرف بـ"الجهاد الأفغاني"، بدعم من الولايات المتحدة ودول حليفة.

وكانت تكلفة هذا العقد المضطرب مؤلمة للطرفين، حيث قضى مليون ونصف أفغاني، وقٌتل 15 ألف جندي سوفيتي، لكنّ الغلبة كانت لـ “المجاهدين"، على حساب الجيش الأحمر.

إذ لم يبقَ أمام الاتحاد السوفيتي الذي بدأ الضعف يدب في جمهورياته، سوى الانسحاب، وهو ما تقرر عام 1988، بتوقيع اتفاقات جنيف، لكن على مرحلتين.

بيد أن سحب السوفيت لـ100 ألف جندي هي قوام قواتها بأفغانستان، لم يسرِ وفق ما خطط له، فقد دفعت الدولة الشيوعية الثمن غاليا، إذ حمل المقاتلون الأفغان على الجيش الروسي وهو يجهز للرحيل من كابول.

وفي شتاء ساخن كانت أرتال الآليات السوفيتية وهي تغادر كابول عرضة للهجمات، وعاد "الجيش الأحمر" إلى الديار، لكن بعد أن خسر مئات الجنود بين قتلى ومفقودين.

وتركت الدولة السوفيتية أفغانستان للفوضى، وأدخل صراع فصائل "المجاهدين" البلاد في حرب أهلية، انتهت بوصول طالبان إلى الحكم 1996، لتحتضن الجبال قادة القاعدة إلى جانب المسلحين الأفغان، قبل أن يهاجم التنظيم الإرهابي برجي مركز التجارة العالمي في 11 سبتمبر/أيلول عام 2001.

انتقام أمريكا بـ"وحل" أفغانستان

هجوم القاعدة على الولايات المتحدة، كان مبررا كافيا لواشنطن، لملاحقة قادة التنظيم الإرهابي في جبال أفغانستان، وحاضنته طالبان، التي أسقط الجيش الأمريكي حكمها في شهرين فقط.

نصّبت الولايات المتحدة حكومة جديدة، وأرست الأمن في المدن الأفغانية، رغم مقاومة فلول القاعدة، وحاضنتهم القبلية الموالية لحركة طالبان.

لكن الحركة المتمردة سرعات ما نظمت صفوفها من جديد في جنوب وشرق البلاد، وهو ما استدعى من الولايات المتحدة، عام 2008، طلب المساعدة من قوات حلف شمال الأطلسي، لصد هجمات طالبان.

تلك الهجمات ظلت جزءا من يوميات الوجود الأمريكي في أفغانستان، الذي استمر 20 سنة، رغم قضاء واشنطن على زعيم تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن، في عملية أمنية عام 2011 في باكستان المجاورة.

وبتغيّر الاستراتيجية الأمريكية في أفغانستان، وأمام هجمات طالبان المستمرة، قررت واشنطن وحلفاؤها في الحلف الأطلسي الانسحاب، بعد جولات من التفاوض مع الحركة المتمردة، وتقريب وجهات النظر بينها وبين الحكومة.

نفذت الولايات المتحدة انسحابها في عهد الرئيس جو بايدن، بعد أن صدر القرار من سلفه دونالد ترامب، لكن المفاجأة كانت زحف طالبان على المدن الأفغانية منذ مايو/ أيار الماضي، حتى قبل اكتمال سحب القوات الغربية.

وفجأة وخلال أسبوع سيطرت الحركة على الولايات الأفغانية تباعا، إلى أن دخلت القصر الرئاسي بكابول، إثر فرار الرئيس أشرف غني، وسط ذهول وهلع بين الأفغانيّين، وحيرة في البعثات الدبلوماسية الغربية، التي تناشد لتأمين إجلاء دبلوماسيّيها، من البلد الذي عاد لحكم طالبان، بعد 20 سنة من سقوطها.

ولم يخرج التحالف العسكري بين الولايات المتحدة والحلف الأطلسي إلا بعد أن سقط ما يقارب 4000 جندي، نصيب واشنطن منهم يفوق النصف، إضافة إلى إنفاق مئات ملايين الدولارات على الحرب الطويلة.