بنجشير موضع أنظار العالم هذه الأيام، بعدما أصبحت الولاية الأفغانية الوحيدة، خارج حكم طالبان، رغم وقوف عناصر الحركة على أبوابها.
في وادٍ خصب من شمال أفغانستان، تقع ولاية بنجشير، بمناظر خلابة تعانق فيها الأشجار الخضراء الجبال الشاهقة، ويسمع خرير المياه العذبة، تحت العشب الأخضر المنتشر على سهولها، في لوحة جمالية آسرة.
سماها الطاجيك وهي العرقية الغالبة على سكان الولاية الأفغانية، بلغتهم "الأسود الخمسة"، وأطلقوا على بطلها التاريخي الراحل أحمد شاه مسعود، "أسد بنجشير".
تتمدد الأسود الخمسة، على مساحة 3610 كيلو متر مربع، وهي مقسمة إداريا إلى سبع مناطق تضم 512 قرية، يقطنها ما يقارب 173000 نسمة، حسب أحدث إحصائية.
أشهر مدنها بازارك، وتعتبر عاصمة الولاية، ومركزها الحضري، ويقطنها أكثر من 20 ألف شخص، وهي مركز لستة قرى، وفيها يقع قبر أحمد شاه مسعود، الذي يعتبر زعيم الطاجيك القومي.
وبالإضافة إلى أنها موطن تجمع الطاجيك الأكبر؛ القومية الثانية في أفغانستان، بعد البشتون، التي ينتمي إليها أغلب عناصر طالبان، والطبقة السياسية، تحتل بنجشير موقعا استراتيجيا؛ بوقوعها شمال العاصمة كابول على بعد 150 كيلومتر، على حدود باكستان.
سرّ التسمية
يفخر الطاجيك بأن واديهم الحصين متماهٍ مع البطولة، لذلك ينظر إلى الراحل أحمد شاه مسعود كبطل قومي، ويفد إلى قبره الآلاف من أنصاره، في ذكرى إحياء وفاته، بعد اغتياله على يد عناصر من تنظيم القاعدة عام 2001، لكن ما سرّ تسمية الأسود الخمسة؟.
تحفظ أدبيات الأفغان، وخاصة القومية الطاجيكية، أسطورة تاريخية وراء التسمية، تعود لقرون.
فبحسب الرواية المحلية فإنه في القرن العاشر الميلادي، كان خمسة إخوة في مواجهة أسد ضارٍ، وتغلبوا عليه دون سلاح، بإزاحته إلى حيث تتدفق مياه الفيضانات من الوادي، لتفلظه بعيدا، وينتهي تهديده للقرية، فما كان من سكان بنجشير إلا أن أطلقوا "الأسود الخمسة"، على هؤلاء الإخوة تخليدا للبطولة، ومن ثمّ حملت ولايتهم نفس الاسم.
صمود تاريخي
تعودت بنجشير تاريخيا أن تكون وادٍ حصينا، بحكم تضاريسها الجبلية الوعرة، التي لا يتقن طرائقها غير مقاتليها من الطاجيك، أو حلفائهم من الأوزبك، فيما يعرف بتحالف الشمال، الذي أسسه أحمد شاه مسعود، في مواجهة السوفييت، وطالبان لاحقا.
ظلّت بنجشير فريدة بين الولايات الأفغانية الـ 34، فلم يدخلها الاستعمار البريطاني في القرن التاسع عشر، وهزمت الغزاة السوفييت، في الثمانينات، ولم تسيطر عليها طالبان، خلال حكمها للبلاد، خمس سنوات (1996-2001).
واليوم يتكرر المشهد، فلا تزال بنجشير عصية على السقوط، وترابط طالبان على أبوابها، فيما تتحدث تقارير غربية عن استبسال المقاتلين الطاجيك، الذين يقودهم الزعيم الشاب أحمد مسعود، نجل الراحل أحمد شاه مسعود، في مواجهتهم.
وتقول طالبان إنها لا تريد دخول الولاية بالقوة، رغم إعلانها السيطرة على بعض المديريات هناك، وأنها تفضل الدخول بتسوية سلمية، فيما يبدي القيادي الشاب أحمد مسعود (32 عاما) استعداده للحوار، ورفضه في نفس الوقت الحل بقوة السلاح.
وستبقى بنجشير موقع أنظار الجميع؛ بانتظار ما ستسفر عنه المواجهة مع طالبان، سواء انتهت بسيطرة مقاتلي الحركة، أو بعدولها عن اقتحامها في تسوية سياسية، ترضي أحمد مسعود وحلفاءه، وتحفظ ماء وجه الطرفين، ودماء الأفغان.