في ذكرى رحيله.. جمهورية البردوني الأدبية: مراحل من تاريخ الثورة اليمنية (1-3) – د. لمياء الكندي
أوجد الشاعر الكبير عبدالله البردوني في كتابه ” اليمن الجمهوري”، مساحة فكرية وتاريخية تعرض في الكثير من فحواها لخطوط الصراع الفكري والسياسي الذي عاشته اليمن في فترات تاريخ السيطرة الإمامة.
ويؤكد البردوني بذلك جدلية الصراع الذي فرضته السياسة والفكر الإمامية على النخب الفكرية والدينية المعاصرة لهم في فترات طويلة من تاريخ اليمن الحديث، وهو الذي أوصلنا إلى ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، لتشكل هذه الثورة مقدمة ونتيجة مهمة لإلغاء الحالة الجدلية التاريخية حول اليمن ونظام الحكم فيها.
تصفح أيضاً: موقع البردوني
وفي الفصل العاشر من الكتاب والذي حمل عنوان ” مشاكل اليمن الجمهوري”، يتحدث البردوني بلغة الشاعر والفيلسوف والمؤرخ عن واقع الثورة ومالاتها، فيعتبر الثورة مجرد وسيلة لتبرير الغاية فقد تمخضت عن جميع الاختلافات قبل الثورة والذي امتدت لعقود طويلة بل لقرون أطول، وهو ما دعا اليمنيين للوقوف على ما اسماه بالاتفاق الموروث وبلور هذا الاتفاق في انعدام صلاحية الإمامة للبقاء، فالشعب اصبح كله سبتمبريا بكل عناصره.
لقد توج البردوني في كتاباته التي جسدتها أعماله بنفس شعري وفكري وسياسي ساخط ومنتقد للأوضاع، ومحفزا على تجاوز معوقات الواقع، احداث ومشاههد من تاريخ اليمن قبل الثورة وبعدها.
ومن خلال هذا العرض الذي اخص الكتابة فيه عن موقف البردوني ونزعته الشعرية تجاه الثورة والنظام الجمهوري وأحداثها.
نجد ان هذه النزعة التي تمثلت في قصائده تمثيلا تاريخيا بحكم ترابطها بالأحداث والوقائع التي عاشتها اليمن قبل الثورة وبعدها يمكن اعتبارها شواهد شعرية وتاريخية مهمة، فكانت تلك القصائد عبارة عن توثيق شعري للأحداث تجلت من خلالها نظرة البردوني تجاه الحكم الامامي قبل الثورة وبعدها، وهو ما استدعاني إلى البحث والقراءة في مسيرته الشعرية بمنظور تاريخي لتلك الفترة وتقسيمها إلى ثلاث مراحل من التاريخ و الموقف الشعري للبردوني سوف نتناولها على ثلاث حلقات.
المرحلة الأولى: مرحلة ما قبل الثورة
في كتابه “رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه”، اتجه البردوني إلى النزعة النقدية للمسار الشعري في اليمن وأعاب على الضليعين في الأدب والشعر و علوم اللغة، عدم انتهاجهم النقد للأعمال الشعرية التي رافقت فترة ما قبل الثورة وبعدها، للحد الذي اصبح امتهان قول الشعر مجرد مجاراة للبيئة، لأن كلا يريد ان يقول ” أنا هنا”، وكأن الشعر ايسر أنواع الكلام كفن موروث، ويقول البردوني حول شيوع الشعر بين الأوساط التي لا تنتمي اليه، وإنما تجيد تلفيقه بقوله” كان كل حامل عمامة تقريبا يمارس الشعر” في إشارة إلى محاولة المنتمين للإمامة الاستحواذ على اللغة الشعرية والخطاب الشعري، الذي غالبا ما كان يخصص لخدمة الانتماء السلالي لهم ويمنحهم تميز اجتماعي وأدبي عن غيرهم.
ومن خلال رحلة البردوني النقدية لمراحل الشعر اليمني في عصر الطاغية يحيى وابنه احمد وما تلاه، انه قام بتصنيف ذلك الحراك الأدبي وفق مدارس شعرية ارتبطت ارتباطا وثيقا بالأحداث والوقائع السياسية، والجو الفكري والسياسي العام، مطلقا عليها العديد من التسميات التي تميزت فيها كل مدرسة حسب القسيم البردوني.
ومنها الفترة السابقة لقيام ثورة سبتمبر والتي وصفها بـ” عهد النهضة”، وخص لهذه المرحلة شعرائها ورموزها وحراكها الأدبي، وأدوارها النضالية المرتبطة فيها، أمثال احمد عبدالوهاب الوريث، والمطاع، وعبدالله العزب وغيرهم، إضافة إلى مدرسة أريان والتي مثلها علي بن يحيى الارياني ، وعبدالرحمن الارياني.
أما مدرسة حجة فقد جمعت مجموعة من رموز النضال الوطني، وجاءت تسمية هذه المدرسة نسبة إلى سجن نافع في حجة، الذي تحول من سجن للاحتجاز والعقوبة إلى قلعة من قلاع التنوير في اليمن، ومن رموز هذه المدرسة إبراهيم الحضراني ومحمد صالح المسمري وغيرهم، إضافة إلى مناقشته الفكرية التي اختصها للحديث عن الأدب في عهد الثورة وكيف يكتب.
لقد مضى البردوني إلى نقد وتصنيف حركة الشعر اليمنية في مراحل محددة ، دون ان يستعرض لنا الحديث عن مدرسة البردوني الأدبية وهي المدرسة الأقوى والأشهر والأطول عمرا في تاريخ مدارس الشعر اليمني وأدبه.
تاركا لنا وللباحثين والمهتمين مهمة الوقوف على هذه المدرسة والتقاط السمات العامة لها واستخلاصها في قراءة متعددة، تتعدد بطبيعة وتوجهات البردوني الكتابية التي تميزت بالتنوع والتلقائية الجذابة بإيقاع حسي ومادي يظهر البردوني كأحد اهم قامات اليمن الجهوري الشعري ككل .
كان البردوني يعي مدى التأثير الزماني والمكاني على الكتابة الشعرية فلم يكن شعره في جوانب عديدة ينفصل عن الأحداث ولا عن الوقائع السياسية والتاريخية لليمن، تلك الأحداث التي اظهر حيالها لغة شعرية جزيلة مسكونة بقوة اللغة الشعرية القارئة للحظة التاريخية ولمسار الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية، التي امعن في تمثيلها شعريا ولغويا بلغة منحازة لواقع الشعب وفظائع الإمامة في حقه وجنايتها عليه.
ففي قصيدته التي خصها للاحتفاء الخاص بعيد الجلوس وهو يوم تولي احمد بن حميد الدين الإمامة والتي وحملت عنوان ” عيد الجلوس”، والمؤرخة في 13- 12- 1958م، قدم البردوني نموذجا شعريا فريدا بالاحتفاء بالطاغية احمد بن حميد الدين فقال فيها:
عيد الجلوس اعر بلادك مسمعاً
تسألك أين هناؤها؟ هل يوجدُ؟
تمضي وتأتي والبلاد وأهلها
كما عهدت وتعهدُ
يا عيد حدث شعبك الضامي متى
يروي؟ وهل يروى؟ وأين الموردُ
حدث ففي فمك الضحوك بشارة
وطنية وعلى جبينك موعدُ
فيم السكوت ونصف شعبك ها هُنا
يشقى ونصفً في الشعوب مشردُ
تمكن البردوني من خلال هذه الأبيات، ان يوجد لنا تصور تاريخي وسياسي واجتماعي للحالة اليمنية إبان حكم احمد بن حميد الدين، وينقلنا إلى طبيعة الوضع المأساوي الذي يعيشه الشعب، فترصد بشعريته هذه مراحل طويلة من التاريخ السياسي والاجتماعي لليمن، وذهب في هذه القصيدة إلى الحديث عن استحالة استمرار النظام الامامي الحاكم بكل ما حمل من معاني الجور والتخلف، فنجده يتحدث عن روح المقاومة اليمنية لحكم الإمامة ويتوعدها بالثورة:
لا لم ينم شعبً يحرق صدرهٌ
جرح على لهب العذابِ مسهدُ
إلى قوله: الشعب اقوى من مدافع ظالم
واشد من بأس الحديد والجلدُ
والحق يثني الجيش وهو عرمرمٌ
ويضل حد السيوف وهو مهندُ
وغداً سيدري المجد أنا أمة
يمنية شما وشعبٌ امجدُ
بهذه اللغة الشعرية المستبقة لقيام الثورة تمكن البردوني ان يهيئ مع غيره من رجال الحركة الوطنية لفكر الثورة، وان يستحضر الموقف الشعري بصورة مستنهضه لروح القومية اليمنية وداعية للثورة، باعتبارها مشروع حياة للشعب، ليذهب بشكل اقوى وامضى في سرد تساؤلاته الشعرية وتوجيهها إلى الطاغية احمد وكل من كان قبله ممن يدعون الإمامة التي ارتبطت سياستها وأفعالها في إقصاء اليمنيين وعزلهم وتجهيلهم وقتلهم وحول ذلك نجده يقول :
إذا نحن كنا كرام القلوب
فمن شرف الحكم ان يكرموا
وإن ظلمونا ازدراء بنا
فأدنى الدناءاتِ ان يظِلموا
لقد كان للبردوني فلسفته الخاصة وقراءته النقدية لحركة التاريخ، فالتاريخ بمادته الإخبارية والاستنتاجية، مادة مسموعة مقروءة، تتلقاها القابلية المفتوحة، فتستخلص أسرارها وتضيف الهيا سر المتلقي وما عنده من تصور عن كيفية الصورة، وبهذا يصبح التاريخ صيرورة دائمه، لان الأمس الذي سجل التاريخ اطل منه اليوم الذي يقرأ التاريخ تحت ضوء مختلف.
عند هذه الزاوية من التفسير البردوني للتاريخ يمكن لنا ان نعيد قراءة وتحليل وفهم قصائده باعتبارها شاهدا تاريخيا عن تلك الفترة، فعلى سبيل المثال نجده يخاطب الطاغية احمد بلغة شعرية نازفه عقب موجة الإعدامات التي تعرض لها الأحرار المشاركون في انقلاب فبراير 1948م، فحجم تلك الإعدامات التي لم يستثني منها احد من رجال الفكر والتنوير والثورة يضعنا البردوني أمام بشاعة وعنف سلطة الطاغية احمد فيخاطبه:
لن ترحم الثوار والهتافا
هلا رحمت السيف والسيافا
اوما على المقدام يوم النصر أن
يرعى الشجاع ويرحم الخوافا
أيكون ما احرزته نصرا إذا
قاتلت اجبن او قتلت اضعاف؟
اسمعت عن شرف العداوة كي ترى
لخضم تقطيع الرؤوس ضفافا؟
لقد شكلت التراكمات العدائية للطاغية يحيى ومن بعده احمد قاعدة ثورية، بدأت بمطالب الإصلاح وانتهت بالثورة كنتيجة انتهاج ثقافة القتل والتجويع والفقر الامامية، وإيغالها في تقطيع رؤوس المعارضين، والتنكيل بجثامينهم، صورة واقعية من حالة حكم نمطية مارستها الإمامة الهاشمية طيلة فترة بقائها، ويرى البردوني في كتابه “قضايا يمنية”، ان قيام حركة المعارض اليمينة لحكم بيت حميد الدين كانت قائمة على مزيجين تمثلا في : اللون الديني، واللون التغييري، أو الحالم بالتغيير، فكان دعاة التغيير يحاربون الإمام لاستبداده، وكان رجال الدين يحاربونه لأنه عطل حدود الشريعة، وعلى هذا وقع الإمام بين ضغطين: ضغط رجال الدين، وضغط العصريين، وهو الذي انتج فيما بعد حركة الثورة وأشاع روحها النضالية قبل قيامها، فنجده في قصيدة ” حين يصحوا الشعب” التي كتبها سنة 1959م يقول:
اعذرِ الظلم وحملنا الملاما
نحن ارضعناه في المهد احتراما
نحن دللناه طفلا في الصبا
وحملناه على العرش غلاما
وبنينا بدمنا عرشهُ
فانثنى يهد منا حين تسامى
لا تلم قادتنا ان ظلموا
ولمِ الشعب الذي اعطى الزماما
كان البردوني من خلال هذه الأبيات يدرك دور الشعب في صناعة طغاته، ولكنه رغم ذلك لم يفقد أيمانه بقدرة الشعب على استعادة ذاته وقدرته على الثورة والتغيير على من اسماها بدولة الأجواخ:
دولة (الأجواخ) لا تحنوا ولا
تعرف العدل ولا ترعى الذماما
فهو بهذا الجزء من القصيدة قد وصل إلى القناعة التامة بعقم الحكم الامامي، واستحالة إصلاحه، ليبشر في الأبيات التي تليها بقيام الثورة كضرورة من ضرورات الحياة.
سوف تدري دولة الظلم غداً
حين يصحوا الشعب من اقوى انتقاما
سوف تدري لمن النصر إذا
ايقظ البعث العفاريت النياما
إن خلف الليل فجراً نائما
وغداً يصحو فيجتاح الظلاما
كانت قصائد البردوني ووقعها تقترب من روح الثورة بل وتواكب التحضير النفسي والخطاب الفكري والسياسي والعسكري لرجال سبتمبر المجيد، ففي قصيدة تحدي التي كتبت في 1961م، نجده يحمل قصائده لغة شعرية ثائره يتخطى من خلالها معالم الضعف الذي أفرزته الإمامة في اليمن ليقول:
سوف نمشي على الجراحات حتى
نشعل الفجر من لهيب الجراحِ
فاستبيحوا دمائنا تتورد
وجنة الصبح بالدمِ المُستباحِ
إنما تنبت الكرامات ارض
سمدت تُرابها عظام الاضاحي
ودماء الشهيد انفر غارٍ
في جبين البطولة اللماحِ….يتبع
عناوين ذات صلة:
- دراسات وبحوث
- رئيسية